إشارات عابرة

حوارات

- 1 -

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


عباس الجراري

 


إشارات عابرة

حوارات

-1-

 

جمع وتقديم

حميدة الصائغ الجراري

 

 

منشورات النادي الجراري

- 50 -

 

 

 

 

 


جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

 

 

الطبعة الأولى

ذو القعـدة 1431

الموافق ماي 2010م

 

مطبعة الأمنية - الرباط

رقم الإيداع القانوني : 2010MO1590

ردمك : 978-9981-893-31-3

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


تقديم

 

مع تنوع مجالات الإعلام بين مقروء ومسموع ومشاهد، وما رافقها من تطوير في أساليب التبليغ، وتقريب التحليل، وتيسير  التقويم من خلال ظواهر وقضايا حية معاصرة تشغل الرأي العام أو تؤثر فيه وجدانيا فينفعل بها للحظات، أو تفرض نفسها عليه وهو يعيش مسيرتها ويتأثر بنتائجها.

ومسايرة لكل هذا، أخذ أسلوب الحوار مكانه في الإعلام المغربي بشتى أنواعه، موازاة مع الاستجواب الذي يقوم على استفسار ورد، دون أن يكون للسائل فيه أي تدخل في الموضوع المثار أو تعقيب عليه.

ولم يتأخر الدكتور عباس الجراري عن خوض الغمارين معا ملبيا للطلب ومجيبا عن السؤال.

فقد رأى في هذا النمط أسلوبا أدبيا متميزا، خاصة باستهدافه لفئة عريضة من المتلقين قد يعسر عليهم الاطلاع على الكتاب إن لم يتعذر ذلك أحيانا كثيرة ؛ إما بسبب تفشي الأمية بالدرجة الأولى، وإما لقلة ما باليد وعدم التعود على اقتناء الكتاب، وإما لانتشار عادة الجلوس على المقاهي حيث تتداول الجرائد من طاولة لأخرى، وإما للإدمان على متابعة الشاشة الصغيرة التي أصبحت لدى الكثير من الأسر جليسا رسميا حتى في لحظات الانشغال عنها بتناول وجبة أو تبادل حديث.

ثم إن الراديو أنيس الطريق، خاصة عند سائقي الشاحنات وعموم المسافرين، رغم مزاحمة الأقراص له عند الشباب الذين يختارون من الأغاني ما يحلو لهم لِيَسْمَعوه أو يُسمِعوه لغيرهم من مستعملي الطريق في صخب زائد.

وهكذا تجمعت للدكتور عباس الجرَّاري حوارات واستجوابات كثيرة حول مواضيع مختلفة أخذت طريقها لجريدة أو مجلة أو إذاعة أو تلفزة.

وبدا لي بعد الاستحسان الكبير الذي لقيته سلسلة "كلمات تقديم" أن أجمع هذا الإنتاج ؛ فتبين لي اختلاف مواضيعه، فمنها ما تعرض للتعليم وما تناول جوانب إسلامية وما تطرق للتراث،  وغير هذه وتلك من القضايا الثقافية العامة.

وباختلاف الموضوعات اختلفت الواجهات، فكان ما نشر في مجلة متخصصة أو جريدة أسبوعية أو يومية أو ملحق لها، وما أذيع بالراديو وما شوهد بالتلفزة.

وهذا ما يجعل هذه الحوارات والاستجوابات مشتتة يصعب الرجوع إليها على ما فيها من أهمية التناول ودقته وتركيزه مما يفرضه الوقت والحيز المحددان.

وكان أيضا من دوافعي لجمعها حتى يسهل الرجوع إليها، رجاء أن يحظى هذا النوع من الأدب بالدراسة التي يستحقها، والتي تساهم في اكتمال حلقات السلسلة التي يكوِّن مجموعها أسلوب ومنهج عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجرَّاري.

وقد ارتأيت الاستهلال بنماذج من هذا الحوارات والاستجوابات جعلتها قسما أول، وهي مجموع متقاربة الموضوعات تتناول قضايا مرحلة دامت عقدين تعبر عن آراء صاحبها وما كان له من مواقف.

هذا وقد كان بعضها في الأصل محرَّرا وبعضها الآخر مرتجلا مما يَنِمُّ عنه تباين الأسلوب.

واخترت لإخراجها اتباع الترتيب التاريخي.

كما قررت حرصا على الأمانة إيراد المقدمات التي مُهد بها لهذه الحوارات، مع الاحتفاظ بالعنوان الرئيسي "إشارات عابرة" الذي كان الدكتور عباس الجرَّّاري قد وضعه لحواراته واستجواباته. وهو عنوان دالُُّ على أن التناول كان موجزا ومكتفيا بالإشارات وأقرب إلى اللمحة والومضة حسب ما يقتضيه المجال المحدود.

فعساني أسهم بهذا العمل في نشر بعض ما جاد به شريك حياتي من إنتاج أدبي ؛ ورجائي أن يتقبله هدية رمزية أوحت بها مصادفة الإعداد التزامنَ مع ذكرى عزيزة لتاريخ ارتباطنا.

وأملي كبير في أن أتبع هذا القسم الأول ببقية الحوارات والاستجوابات مستقبلا إن شاء الله.

وإنه مني لجهد المقل.

والله ولي العون والتوفيق.

 

حميدة الصائغ الجراري

20 مايو 2010

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حـوار ثقافـي عـام(1)

مع جريدة "العلم"

 

 

 

(1) أجراه الأستاذ السيد عبد الإلاه التهاني، وقد نشرته جريدة "العلم" في
        صحيفة "ضيف العلم" (عدد الأحد
26 رمضان 1410ﻫ الموافق 22
        أبريل
1990م).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

قدم له بهذا التمهيد :

"على امتداد خمس وعشرين سنة أو يزيد، حقق الأستاذ الدكتور عباس الجراري حضوره المتميز والأليف في ساحة الفكر والأدب بالمغرب، حتى تعدى صيته حدود بلده إلى بقية أقطارنا العربية.

وتوزعت اهتمامات الرجل على قضايا شتى وميادين مختلفة، وإن أخذت منه الجامعة أغلب وقته وكل عصارة فكره ؛ كما شكلت هواه ومرتع افتتانه بالعلم، وقلعته المفضلة لإشاعة فكره ونظراته وآرائه وأبحاثه.

والذين يستمعون إلى الدكتور عباس الجراري وهو يحاضر أو ينتدي في شجون الفكر وقضايا الثقافة ومشكلات المجتمع يلمسون علمه الكثير ودرايته الدقيقة والعميقة بألوان شتى من المعرفة. وهو بفصاحته البينة يمتلك سامعه. وبتركيزه ودقة تفكيره يعرف كيف يرتب أفكاره ويعرضها وكيف يدافع عنها ويبرهن عليها.

  مع هذا الذي تعتز الجامعة المغربية بفكره وحضوره وحضور أمثاله نقترح حوار هذا الأسبوع".

1/ في مجال الدراسة الأدبية بالمغرب، نجد تيارات مختلفة، لها مفاهيم فكرية وأدبية متنوعة، تصل أحيانا درجة التعارض، ما بين بنيوية، ونفسية، واجتماعية تاريخية، ووضعية، وانطباعية.

  أين يضع الباحث الأدبي عباس الجراري نفسه، بين هذه التيارات ؟

مجال الدراسة الأدبية في المغرب واسع. بعضه يوجد خارج الجامعة، ومعظمه مرتبط بها بحثاً وتدريساً.

  ومن متابعتي لما ينجزه الباحثون هنا أو هناك، ومن موقعي في الجامعة، وإشرافي على عدد كبير من الدارسين سواء في الدبلوم أو الدكتوراه، أستطيع القول بأننا نجازف في التعبير حين نتحدث عن تيارات مختلفة لكل منها منظور واضح مؤسَّس على مفاهيم تنبثق عنها أعمال متميزة.

والحقيقة أنه إنما توجد محاولات يجرب أصحابها هذا المنهج أو ذاك، من خلال بعض أدواته الإجرائية، لإعجابهم بها أو لاقتناعهم بصلاحيتها وجدواها في الدرس ؛ وغالباً ما يكون هذا الدرس مقصوراً على بحث بعينه يكونون بصدد إنجازه.

الظاهرة في حد ذاتها جيدة، لأنها تدل على حيوية وطموح ورغبة في تنويع الممارسات المنهجية وسعي إلى تحقيق الجديد، ولكنها ظاهرة مبتورة لعدم أخذها قضية المنهج داخل إشكاليته الفكرية التي يفترض فيها الانتظام والتكامل.

ولعله يصعب علينا في المغرب، وحتى على صعيد الأمة العربية جمعاء، أن ندعي أننا نُكون تيارات أو اتجاهات، فضلاً عن أن نزعم أننا ننشئ مدارس أدبية، طالما أننا نلهث وراء مناهج كانت عند مطبقيها الأوائل وليدة إبداع علمي تشكلت في سياقه منظومة فكرية متناسقة.

  وعلى الرغم من ذلك، فإن مجال الدراسة الأدبية لا يخلو من بعض المحاولات التي يجتهد أصحابها لِيلاَّ يكون المنهج مجرد آلة مفصولة عن مسارها بكل تصوراته، بدءاً من الوعي بموضوع البحث إلى الهدف من تحقيقه.

في نطاق هذه المحاولات يمكن وضع البحوث التي أنجزتها، لا سيما ما كان منها متصلاً بالأدب المغربي الذي بذلت قصارى جهدي وطاقتي على امتداد ربع قرن من أجل التعريف به وفرض درسه وتأطير البحث فيه وتكوين دارسيه وأساتذته.

من أجل هذا كان البحث الأدبي في منظوري داخلاً في ذلك الإطار، مما جعله يشكل عندي تجربة عميقة عانيتها على مستوى تدريس الأدب المغربي وعلى مستوى دراسته ؛ والأمران سارا مرتبطين، في سعي إلى معرفة بأدبنا تكون كاملة وموثقة.

ولا أريد أن أعرض هنا مختلف جوانب تجربتي المنهجية، ولكن الذين قرأوا الكتب التي تسنى لي نشرها يعرفون ذلك، ويدركون امتداد التصور في هذه التجربة في نطاق إقليمي يقصد إلى الوحدة، وفي إطار مفهوم واسع للأدب يربطه بمختلف المعطيات الفكرية والتاريخية، ويجعلني أطرحه من خلال ظواهر وقضايا يتم تحليلها بمختلف الأدوات المسعفة، من غير أن أتقيد بوسائل منهجية معينة كالتي أشرت إليها في أول سؤالك.

2/ تُلحون كثيراً في محاضراتكم القيّمة، أمام طلبتكم في صف السلك الثالث، على القيمة الجمالية والفنية للإبداع الأدبي، قبل النظر في معطياته الفكرية.

هل أنتم بهذا الإلحاح، تردون على طغيان التصنيف السياسي للإبداع والمبدعين ؟

هذه قضية أظن أنك تربطها بالموضوع الذي أدير البحث عليه مع طلبة السلك الثالث هذا العام، وفيه أناقش "الإبداع في الشعر المغربي"، إذ أضع هذا الإبداع في سياقه المتوازن بين المواقف الفكرية والتجارب الذاتية، منطلقاً من تعريفه وتحليل عناصره ومقاييسه.

ومن هنا تكون قد انبثقت ملاحظتك لا شك ؛ والحقيقة أني لا أرجح القيمة الجمالية على المعطيات الفكرية، ولكن أنظر إلى الإبداع من زاوية القدرة الذهنية التي تجعل المبدع يستطيع صهر مختلف المقومات التعبيرية - ومن بينها الفكر - والإلحام بينها وبين تجربته الذاتية، متوسلاً بالأدوات التي تجعله ينشئ قصيدة تتنامى بنيتها وتتكامل، في علاقة جدلية بين الشكل والمضمون، وفي تجاوز بذلك للتقليد في شتى أنواعه ودرجاته.

وإني بهذا، لا أقصد إلى الرد على أحد، ولكن أقصد إلى تعليم طلابنا الباحثين كيف يتعاملون مع الشعر وغيره من أنماط التعبير الأدبي، بموضوعية، وكيف ينظرون إليه، ليس من زاوية سياسية أو غيرها من الزوايا التي يطلق بعض النقاد من خلالها أحكاماً يرتبون عليها تصنيفات، ولكن من حيث هو عمل له قيمة في حد ذاته، بعيداً عن انتماء صاحبه كيفما كان هذا الانتماء.

على أن مقياس الموضوعية لا ينفي عنصر التذوق الفني الذي هو عند الناقد قائم على قواعد ومعطيات، وليس ناتجاً عن عشوائية أو ارتجال في التلقي للعمل.

3/ من السمات التي ميّزت الأدب المغربي عبر العصور ارتباطه بالمؤسسة الرسمية، وتبعيتُه القوية للدولة.

كيف تعلّلون هذه الظاهرة ؟

هذه مسألة دقيقة ومعقدة ؛ وهي في نظري تتعلق بمرجعية هذا الأدب أو مصدريته. وهو موضوع لم يعره النقد كبير اهتمام. وقد سبق لي أن طرحته في إطار عام يمس الأدب العربي عامة.

فنحن حين نتأمل هذا الأدب بعمق وفي نطاق مختلف ظروفه وملابساته على امتداد العصور وتباعد الأقاليم، نجد أنه ارتبط في القديم بعالَم الإلهام اللاَّمرئي، وبالقبيلة ثم بالإسلام، ومعهما بشخص الزعيم أو الخليفة أو السلطان. ونجد أنه في المرحلة الحديثة والمعاصرة عاد لمرجعيته بما فيها من جانب قد يوصف بأنه غيبي. وأكاد أقول إن المصدرية مستمرة على الرغم من وجود بعض الاستثناآت. واستمرارها يحث على التساؤل عن تصور الأدباء للحداثة ومدى ارتباطها بالمرجعية، وليس فقط بمقومات البناء الفني.

والأمر بذلك يشمل كل الأدب العربي وليس الأدب المغربي فحسب، وإن كان يلاحظ عند المغاربة تشبث بهذه المرجعية أقوى من غيرهم. ولعل السبب في هذا معزُو إلى عوامل خارجة عن الأدب، لارتباطها بواقع مجتمعهم وطبيعة المنهاج الذي اختاروه عبر القرون لفكرهم وسياستهم.

4/ من فترة لم نعُد نقرأ للدكتور الجراري تلك الكتابات التنويرية التي كان يطل بها على الساحة الثقافية في مغرب السبعينات، ويتناول فيها قضايا النهضة ومشكلات الفكر والمجتمع. في مقابل هذا زاد حضوركم الثقافي بالمعنى الأكاديمي الجامعي.

ترى هل ولَّى عهد الشباب، أم ولَّت مرحلةٌ من حياة رجال الفكر عندنا، حين كانوا أكثر حماسا واستعدادا لطرح القضايا الساخنة في ساحة الفكر والمجتمع ؟

لعلك في صيغة سؤالك لمست مختلف جوانب الإجابة، ولكن الأمر ليس بهذا الحسم. صحيح أن رجال الفكر كانوا في سنوات الستين والسبعين على حدّ ما ذكرتَ، ولكن حدث فيما بعد ما وجه الاهتمامات إلى أهداف أخرى، وبصفة خاصة إلى معركة استكمال الوحدة الترابية بكل ما تقتضي هذه المعركة من إجماع وتعبئة عامة ومصالحة أو سلم داخلية. وهنا يبدو لي جانب من ظاهرة "المرجعية" التي تحدثت عنها في جواب آخر.

وحدث كذلك أن بعض القضايا التي كانت تُتناول من قبل، لم يعد لها وقْع في المرحلة الجديدة، إما لأنها أصبحت بحكم التطور متجاوزة، وإما لأنها اُجهضت وأفرغت من مدلولها الحق ومُيِّع طرحها. ولا يخفى أن من بينها قضايا تكتسي أهمية بالغة تحتم العودة إلى تناولها، خاصة وقد أصبح الوعي بها أكثر عمقاً من السابق.

وإذا كان عامل السن لا يُلغى في هذا المجال، فإن الأجيال الصاعدة كفيلة بحمل الرسالة.

على أن هناك قضايا أخرى ساخنة حدثت في هذه المرحلة تقتضي من رجال الفكر أن ينتبهوا إليها ويهتموا بإثارتها وتحليلها. وقد تسنى لي أن أحصر عدداً منها وأخطط لدراستها فيما أسميته : "قضايا للتأمل". فعسى أن تتاح ظروف مناسبة لإتمام هذا المشروع وإخراجه.

5/ "القصيدة"، هي أطروحتكم لنيل الدكتوراه من الجامعة المصرية، ولقد كانت فعلا دراسة رائدة أزاحت ستار النسيان والتجاهل عن جزء غني من تراثنا الشعبي.

فهل ما زال اهتمامكم بفن "الملحون" قائما ؟ وهل تؤمنون بإمكانية استمرار هذا الأدب الشعبي مستقبلا، على ضوء طغيان الطرب العصري في حياتنا اليوم ؟

هذا سؤال ذو شقين : أولهما يمس اهتمامي بالملحون، والثاني يتعلق بمستقبله.

أما عن اهتمامي بهذا الفن، فإنه ما زال قائماً بدليل أني خصصت له فصلاً مهماً في كتابي الذي نشرته منذ سنتين بعنوان: "في الإبداع الشعبي". بل إن هذا الاهتمام لم يتوقف قط، لأني في نطاق المنهج الذي أتوسل به في دراسة الأدب المغربي لا أُلغي الجانب الشعبي بل أدخله في المفهوم الذي ذكرتُ - في إجابة على سؤال آخر - أني أنظر إليه من زاوية متسعة تستوعب التعبيرين: المدرسي والشعبي. والقارئ لكثير من بحوثي يلاحظ هذا الإدماج.

وأما عن إمكانية استمرار الملحون في المستقبل فشيء آخر. فقد كنت قلت في أطروحتي - وهي مكتوبة عام ثمانية وستين وتسعمائة وألف - أن قصيدة الملحون المعاصرة جمدت في نماذج وقوالب تقليدية، وهي ما زالت كذلك، وإن كانت اليوم تحتك بواقع الشعر المُعْرب، وهو واقع متحرك ؛ وتحتك كذلك بأنماط تعبيرية شعبية أخرى أتيح لها أن تنطلق بحكم الرواج الذي تعرفه حركة الغناء   - ولا أقول الازدهار - بكل ما في هذه الحركة من إيجابيات وسلبيات.

وهذا ما يحث على التفاؤل بشأن مستقبل تلك القصيدة، إذا ما تسنى لها مبدعون يخرجون بها من مجال التقليد، سواء بالمحافظة على بنيتها المعروفة أو بمحاولة تطوير هذه البنية.

6/ ظل المغرب محافظا على وحدة المذهب، رغم العواصف السياسية، ورغم تعاقب الأسر والدول التي حكمته.

هل من تعليل فكري لهذه الظاهرة العقائدية ؟

  تعتبر المحافظة على وحدة المذهب - وهو المذهب المالكي - ظاهرة مميزة للمغرب على امتداد العصور، منذ أن استقر عليه، بدءاً من أواخر القرن الثاني الهجري إلى اليوم.

وتعليل هذه الظاهرة كامن في أسباب متعددة ومتشابكة، تدخل أولاً في نطاق رفض المغاربة للفكر الخارجي والشيعي، واختيارهم للاتجاه السُّني ؛ وتدخل ثانياً في نظرتهم التقديرية لمالِك باعتباره إمام دار الهجرة وهي المدينة المنورة، وإليها كانت وجهتهم.

ثم إن الدولة كانت باستمرار تساند هذا المذهب، لواقعيته ونضاليته وموافقته لطبيعة التفكير المغربي، ولقابليته كذلك للتجدد، انطلاقاً من القول بالمصالح المرسلة وسد الذرائع. ولا نستثني من هذه المساندة إلا الموحدين.

والمهم في هذه الظاهرة هو أن وحدة المذهب في المغرب تجاوزت الجانب الفقهي إلى غيره، وغدت رمزاً سياسياً لوحدة الأمة. وهذه هي الحقيقة التي ينبغي التنبيه إليها والتوعية بها، لا سيما وقد أصبحت مذاهب أخرى كثيرة، سنية وشيعية وخارجية وحتى بعض المذاهب الباطنية المنحرفة، تُروج لنفسها بالمغرب، وتتوسل لذلك بشتى ألوان الإقناع والإغراء، وتلجأ إلى التحريف وربما إلى العنف كذلك ؛ ممَّا لا أُخفي أنه يهدد الوحدة التي كانت أحد العوامل الأساسية في استقرار المغرب وصموده أمام مختلف التحديات.

7/ اهتمامات الدكتور عباس الجراري تكاد تكون مقصورة على المغرب، أدباً وتاريخاً وحضارةً وفقهاً، وإِن تعدّته فإلى الأندلس أو الشعر الإسلامي.

ترى لماذا لم يلامس الدكتور الجراري قضايا أخرى، في الثقافة العربية ؟

كنت أتوقع أن تطرح السؤال بصيغة مخالفة، وأن تلاحظ اتساع المجالات التي أهتم بها، وأن تنطلق في ذلك من ضيق التخصص الذي ينبغي في نظر البعض أن يكون عليه الأستاذ الجامعي الباحث.

فعلى الرغم من أن أكثر من نصف منشوراتي تركز على المغرب، فقد شُغلت باهتمامات أخرى وعُنيت بموضوعات متنوعة، منها ما يتصل بالأدب العربي عامة، ومنها ما يتناول قضايا حيوية في الفكر والثقافة، مما يعرفه القراء ؛ ويكفي أن أمثل بهذه العناوين :

1-      الحرية و الأدب

2-      الثقافة في معركة التغيير

3-      من وحي التراث

4-      الفكر الإسلامي و الأختيار الصعب

5-      الفكر و الوحدة

وإنه من حق الدارس الأكاديمي - وأكاد أقول من واجبه - أن تكون له إلى جانب مجال بحثه العلمي الضيق مشاركة في هموم عصره ومشكلات مجتمعه. وقد يتصدى لها متأثراً بمنهج دراساته أو من منظور اختصاصه.

  من هنا لا أخفي أن تناولي لبعض قضايا الفكر والثقافة تجاوز قالب المقالة إلى شكل البحث الجامعي. وهذا راجع إلى عاملين:

أحدهما موضوعي يتمثل في الحاجة إلى تعميق هذه القضايا بالدرس والتحليل.

والثاني ذاتي نابع من تجربة الكاتب في مجال البحث الأكاديمي واستئناسه به.

8/ تعيش بعض المجتمعات مرحلة مراجعة للعديد من القيم الفكرية والنظم والمعتقدات التي ظلت تؤمن بها، منذ نهاية القرن التاسع عشر ومطالع هذا القرن. أقصد بداية تحطم أسس الفكر الذي شيّده ماركس وأنجلز، وقوّاه لينين في روسيا.

كيف تساهمون في تفسير ما يقع الآن من هزات سياسية، بل وعقائدية بالدرجة الأولى ؟

إن التحولات التي تعيشها الآن بعض جهات العالم، ولا سيما في الاتحاد السوڤياتي وأوروبا الشرقية، لم تكن منتظرة بالسرعة التي تمت بها، ولم يكن متوقعاً حدوثها بهذا الشكل الفجائي والمتلاحق.

ولا شك أن لهذه التحولات أسبابها المباشرة والداخلية التي يلخصها وعي شعوب هذه البلدان، وضيقها بالقهر والظلم، وسعيها إلى الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية.

وهذا أمر كان لا بد أن يقع ذات يوم، على الرغم من الطابع القوي والصارم الذي كانت عليه الأنظمة الحاكمة، متسترة خلف شعارات إيديولوجية أثبتت تجربة نصف قرن أنها تمويهية جوفاء.

وإذا كانت هذه التغيرات ستلقي بظلالها على أوروبا الغربية ودول العالم المتقدم بصفة عامة، بما ستحدثه من تقارب بينها ومعها، لتضييق الهوات الفاصلة، ولمزيد من التكتل والتعاون - ووحدة الألمانيتين على سبيل المثال آتية لا ريب - فإن السؤال الذي ينبغي طرحه بجد هو مدى انعكاساتها على العالم الثالث، وبصفة خاصة على شعوبنا العربية والإسلامية، بعيداً عن مظاهر الابتهاج بما يقع والتصفيق له.

  إن العالم اليوم متصل ومتواصل، وإن رياح تلكم التحولات لا بد واصلة، وقد بدأ أثر هبوبها يظهر في بعض البلاد الإفريقية، وإن علينا أن نتأمل الأمر ونتدبره لنميز إيجابيات هذه التغيرات من سلبياتها، ولنعمل في ضوء ذلك على اتخاذ المواقع والمواقف اللازمة للمحافظة على وجودنا وضمان استمراره في ساحة المنافسة والصراع، أي حماية هذا الوجود من كل العوامل التي قد تعرضه للتقلبات المفاجئة وما قد يكون لها من تأثير على مستقبله وطموح المجتمع وتطلعه إلى أن يكون هذا المستقبل أرقى وأحسن.

ولن يتحقق ذلك إلا بمواجهة شجاعة وجريئة لذواتنا، وأخذ المبادرة بالمراجعة والتصحيح لما هو مختل في أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، سعياً إلى إقامة توازنها في نطاق قيمنا ومقوماتنا، وجعلها قادرة، ليس فقط على الصمود، ولكن كذلك على أن تعايش العالم المتطور والمتقدم، بل قادرة على أن تواكبه وتنافسه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


حديث علمي شامل
مع ميثاق الرابطةّ
"القسم الأول"(1)

 

 

(1) حول : "الرسالة والسياسة العلمية للنشاطات الدينية" -  ميثاق الرابطة -  (الخميس 22 شعبان 1417  الموافق 2 يناير 1997م) أجراه الأستاذ مصطفى ودادي (رئيس التحرير).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


قدم له بالكلمة الآتية :

يعتبر الدكتور عباس الجراري أحد الباحثين والمحققين المرموقين في مجالات الأدب المغربي والتاريخ والفكر العربي والإسلامي. وهو، إلى جانب ذلك، أستاذ التعليم العالي (كرسي الأدب المغربي)، ويتولى حاليا رئاسة المجلس العلمي الإقليمي لولاية الرباط وسلا. ويشغل عضوا بأكاديمية المملكة المغربية. وتقلد مناصب علمية وإدارية مهمة داخل المغرب وخارجه طوال حياته. ويصعب الإلمام، في سطور داخل حيز الصفحات، بمختلف جوانب حياته العلمية والإدارية نظرا لتعدد مواهبه وميولاته بتعدد نشاطاته العلمية والإدارية والنقابية والجمعوية داخليا وخارجيا.

واتسم اتجاهه الثقافي بالدعوة إلى الإصلاح والتغيير، وصدرت له عدة مؤلفات ونشر العديد من الأبحاث والمقالات في صحف ومجلات مغربية ومشرقية وتنوعت كتاباته وإسهاماته العلمية والأدبية...

مراسل - ميثاق الرابطة - التقى بالدكتور عباس الجراري في مقر مكتبه بالمجلس العلمي الإقليمي لولاية الرباط وسلا وأجرى معه حوارا حول دور وأهمية رابطة علماء المغرب والمجالس العلمية على الصعيد الوطني والخارجي من حيث النشاط العلمي، وحول بعض القضايا الفكرية الهامة : منها ما يتعلق بالصراع العقائدي الإيديولوجي ومنها ما يتعلق بقضية ما يسمى بالاقتباس الحضاري لدى الدول السائرة في طريق النمو من طرف الدول العظمى (أمريكا وروسيا ...) وغيرها من القضايا الأخرى...

وفي هذا الحوار يقدم الدكتور عباس الجراري رؤيته وتصوره حول ما ينبغي لرابطة علماء المغرب وللمجالس العلمية أن يقوما به من الاستفادة من تاريخ الأمة الإسلامية ومن الاستفادة من التجربة السابقة لرابطة علماء المغرب ومن تجارب المؤسسات المشابهة لها في مختلف أنحاء البلاد الإسلامية، ويدعو إلى الاستعداد لمواجهة كل أشكال التحديات وإلى تحقيق الغايات والأهداف التي من أجلها أسست رابطة علماء المغرب وبجانبها المجالس العلمية.

كما يرى الدكتور عباس الجراري أن مسؤولية رابطة علماء المغرب ينبغي أن تتخذ طابعين: الأول داخلي ويقتضي توحيد كلمة العلماء لإمكان النهوض بالتوعية الإسلامية والتوجيـه الثقـافي، والثاني خارجي ويسعى إلى التقريب بين المسلمين ونبذ الخلافات بينهم وإلى توحيد كلمتهم. ويدعو، كذلك العلماء إلى أن يكون لهم حضور متميز على الساحة الإسلامية وعلى الساحة الدولية بما يشرف المغرب وبما يعطيه قيمته ووضعه الطبيعي. وأبرز في ختام هذا الجزء الأول من الحوار أهم العناصر الثلاثة التي تساهم، بشكل أو بآخر، في فساد المجتمع وهي: انعدام التربية في البيت والأسرة والمدرسة والمجتمع، وطغيان القيم المادية، وسيادة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية من بطالة وما يترتب عنها.

ويسر - ميثاق الرابطة - أن تقدم لقرائها الكرام وللسادة العلماء ولرجال الفكر والعلم في هذا العدد القسم الأول من نص الحوار ضمن ركن سلسلة حوارات. آملين أن يجد الحوار رضى الجميع، وإليكم نص الحوار التالي:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مراسل الجريدة : فضيلة الدكتور عباس الجراري، هل يمكنكم أن تحدثونا عن نظرة تقييمية موضوعية عن حياة رابطة علماء المغرب وعن الأمانة العلمية من خلال ثلاث محطات :

*/ المحطة الأولى في حياة المرحوم الشيخ الأستاذ عبد الله كنون.

*/ المحطة الثانية في حياة المرحوم الشيخ محمد المكي الناصري.

*/ وحاليا مع العلامة الأستاذ الحاج أحمد بن شقرون.

جواب الدكتور عباس الجراري:

رابطة علماء المغرب مؤسسة علمية وطنية ذات أهمية قصوى، نظراً للدور الذي أنيط بها، والذي يزيد أهمية وخطرا مع مرور السنين والأعوام والتطورات التي تعرفها الساحة العلمية والإسلامية سواء بالنسبة للمغرب أو للعالم كله.

ولا شك أن الرابطة منذ أسست وهي تسعى إلى النهوض بهذا الدور، وإلى تحقيق الغايات النبيلة والسامية التي من أجلها أسست. وهذا لا يمنع من أن تكون في كل مرحلة من مراحلها تتسم بمميزات وبخصائص راجعة إلى طبيعة المرحلة، وراجعة كذلك إلى السادة العلماء الذين يتحملون المسؤولية فيها.

وإن الأمل كبير، أن تستفيد الرابطة في هذه المرحلة العصيبة والدقيقة من تاريخ الأمة الإسلامية، أن تستفيد من تجربتها السابقة ومن تجارب المؤسسات المشابهة لها في مختلف أنحاء البلاد الإسلامية. وأن تكون مستعدة لمواجهة كل التحديات التي يعرفها الإسلام والمسلمون، هذه التحديات التي تحتاج إلى تكثيف الجهود، وإلى توحيد الصف، وإلى توضيح الرؤية، وإلى الإعداد لمواجهة هذه التحديات بكل ما يمكن للعلماء أن يقدموه لما فيه صالح الإسلام وما فيه صالح المسلمين سواء في المغرب أو في غير المغرب.

سؤال : في سياق السؤال السابق، هل يمكنكم فضيلة الدكتور عباس الجراري أن تحدثونا عن الخصائص والمميزات الأساسية التي انفرد بها كل أمين عام خلال مدة انتدابه أو تعيينه، من حيث النشاط العلمي والدور العلمي الذي قام به وطنيا وعربيا ودوليا ؟

جواب :

ليس من شأن متحدث في هذا المجال أن يصدر أحكاما على الآخرين، وعلى التجارب التي قاموا بها أو حاولوا من خلالها أن يقوموا بالعمل الإسلامي. ويكفي أن نعرف أن السادة الذين تحملوا مسؤولية الأمانة بدءا من الأستاذ المرحوم عبد الله كنون، إلى الأستاذ المرحوم الشيخ محمد المكي الناصري، إلى الأستاذ الجليل الحاج أحمد ابن شقرون، هؤلاء، جميعاً، مشهود لهم بعلمهم ووطنيتهم وغيرتهم وإخلاصهم لهذا الوطن ولملك البلاد ولمقدسات هذه الأمة، ومن ثم فإنه إذا اتضحت الرؤية، وإذا تيسرت الوسائل، وإذا عمل العلماء، وعملت الرابطة على أن تكون رابطة حقا، وعلى أن تجمع الكلمة، وعلى أن توحد الصفوف، وعلى أن تعبئ الأطر المتسمة بالكفاءة والعلم والخبرة والمعرفة الحقيقية والرغبة في العمل، فإنه إذا تيسر ذلك، فإنه لا شك أن الرابطة في عهدها الجديد سوف تحقق أشياء كثيرة، وسوف تنجز إنجازات تكون تكملة لما تقدم في العهدين السابقين.

ومع ملاحظة أمر مهم، وهو أن الأمة الإسلامية اليوم تسير بخطى سريعة، وتواجه تحديات تطرأ في كل يوم بل في كل لحظة، وأن العصر لم يعد يقبل التقاعس والتراخي والتكاسل والاتكال، ومن ثم فإن الأمل معلق على الرابطة في هذه المرحلة الجديدة أن تحقق الغايات التي من أجلها أسست، وكذلك الأهداف التي أصبح يفرضها العصر ومراحل هذا العصر المتطورة والمتجددة.

سؤال : في سياق السؤال السابق، دائما، كيف ترون الدور العلمي الذي تقوم به رابطة علماء المغرب على الصعيد العربي والإسلامي ؟ وهل هناك فعلا، دور حقيقي تقوم به رابطة علماء المغرب ؟

جواب :

لا شك أن مسؤولية الرابطة ينبغي أن تسير في اتجاهين: أما الاتجاه الأول فهو داخلي، ويقتضي أن تكون الرابطة محورا يلتف حوله العلماء العاملون الصادقون المخلصون. والهدف ليس فقط أن تجمع كلمة العلماء، ولكن أن تجمع هذه الكلمة لإمكان النهوض بالتوعية الإسلامية والتوجيه الثقافي، والنهوض بالأعباء التي يتطلبها العمل الداخلي، بدءا من تجميع الكلمة إلى الاتصال بالمواطنين لتوعيتهم، ولتنقية أفكارهم، ولإحلال الأفكار الرئيسية والأساسية والأصيلة التي عاش بها المغرب على امتداد العصور، لأن المغرب كان، دائما، يسير في خط السنة وفي خط المذهب المالكي. وكان المغرب، دائما، يسير بخطى يلتقي فيها أولو الأمر من العلماء ومن الحكام. وهذه المسيرة الموحدة الواضحة هي التي جعلت المغرب يستمر مستقرا ويستمر قويا طوال قرون عدة.

وهذا هو الذي جعل المغرب يتغلب على مختلف المشكلات والأزمات ويسترجع سيادته ووحدته. ويحافظ على استقراره.

إذن، هذا هدف أول وهو الهدف الداخلي، بعد ذلك يأتي الهدف الثاني أو المسؤولية الثانية وتتعلق بالعمل الخارجي. والعمل الخارجي يقتضي السعي إلى التقريب ونبذ الخلافات بين المسلمين، وإلى الانضمام إلى جميع ما يوحد كلمتهم سواء على مستوى المذاهب الإسلامية، أو على مستوى الحوار مع أهل الكتاب ومع غيرهم من الذين لا يؤمنون بالله. وكل ذلك من أجل المحافظة على وحدة الكلمة ووحدة الصف ووحدة الهدف، والتغلب على القضايا الكبيرة التي أصبحت تواجه الإنسانية اليوم، ولا سيما فيما يتعلق بالقيم وبالأخلاق وبالسلوك وبالتربية، لأن الأزمة اليوم في العالم هي أزمة قيم. والكل يشعر بذلك، ونحن مطالبون بأن تكون لنا مساهمة في هذا الجانب.

وبطبيعة الحال، حين نتحدث عن العلاقات الخارجية فإننا نريد كذلك أن يكون للمغرب ولعلماء المغرب حضور متميز على الساحة الإسلامية وعلى الساحة الدولية، بما يعطي للمغرب قيمته ووضعه الطبيعي، وبما ييسر للمغرب أن ينهض بالدور الذي نهض به على امتداد العصور.

ونحن نعيش مرحلة يتحمل المغرب فيها مسؤوليات كبرى، ومولانا أمير المومنين هو رئيس المؤتمر الإسلامي، وهو رئيس لجنة القدس، وهو حريص على حل الأزمات والقضايا التي يتخبط فيها المسلمون، سواء فيما يتعلق بالقضايا التربوية أو القضايا السياسية.

ونحن نعرف جميعا ما يعانيه، وما يسعى إليه، وما يدعو إليه لحل المشاكل التي تتخبط فيها دول يوغوسلافيا القديمة، وجهوده في هذا المضمار واضحة. وينبغي أن نكون جميعا واعين بهذه الرسالة التي يتحملها المغرب في الخارج، ولا سيما في الساحة الإسلامية. وللعلماء دور في ذلك ينبغي أن يكونوا واعين به، وأن يتحملوه بكل ما يتطلب من جد وحزم وصرامة وثقة، كذلك في أنفسهم وعقيدتهم، وفي جميع المقومات التي ينبغي أن يكون الانطلاق منها ...

سؤال : هناك محور آخر نود أن نطرحه معكم، إذا سمحتم، وهو يتعلق بالوضعية الإدارية والمالية لرابطة علماء المغرب. كيف ترون وضعية رابطة علماء المغرب من الوجهة القانونية ؟

جواب :

لست مؤهلا للحديث عن هذه الوضعية، ولكن كل ما يمكن أن أقوله لك وما أعرفه جيدا، هو أن رابطة العلماء تحظى برعاية خاصة لمولانا أمير المومنين. وأن هذه الرعاية تتجلى في جوانب متعددة، في طليعتها الحاجيات المادية التي بها ينبغي أن تنهض، هذا كل ما أعرف، وبالطبع يبقى بعد ذلك الوضع الإداري أو التسيير المالي هذا أنا لا أعرف عنه شيئا.

سؤال : نعود إلى الدور العلمي الذي تقوم به رابطة علماء المغرب، وبجانبها المجالس العلمية. في رأيكم، هذا الدور الذي تقوم به رابطة علماء المغرب والمجالس العلمية على الصعيد الوطني خاصة، هل هو يخدم مصلحة الإسلام والمسلمين، أو أنه يخدم مصلحة النظام الحاكم ؟

جواب :

ما تقوم به المجالس العلمية وما تقوم به رابطة علماء المغرب يخدم قضية الإسلام والمسلمين بصفة عامة، ويخدم قضية المغرب والمغاربة بصفة خاصة. وكما سبق أن قلت لك، إننا في المغرب نعيش، وعشنا خلال التاريخ، أوضاعا متميزة. هذه الأوضاع المتميزة ترجع إلى كون الحاكم في هذا البلد، هو في نفس الوقت، حامي عقيدتها. من هنا، لا تطرح أو لا ينبغي أن تطرح علينا أو عندنا المشاكل التي يمكن أن تثار في بلد آخر وقع الفصل فيه بين حاكم يحكم مدنيا وبين عالم أو مجموعة أو هيئة علمية تشرف على أمر الدين في هذا البلد.

نحن منذ أن تمت أول بيعة في المغرب، وهي بيعة المولى إدريس، منذ اثني عشر قرنا ونصف قرن، والمغرب يعيش ويسير على هذا النظام الذي يجعل من الحاكم مسؤولا عن الأمة، مسؤولا عن شعبها، مسؤولا عن حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومسؤولا أولاً وقبل كل شيء، عن عقيدتها لأنه أمير المومنين. ومن ثم، فإنه لا مجال لطرح السؤال حول ما يمكن أن يحقق من أهداف عن طريق الرابطة، أو عن طريق المجالس العلمية. هل هو لخدمة الدين أو لخدمة جهة معينة. فالمغرب، وهذا ينبغي أن يكون واضحا في الأذهان، المغرب يتمتع بهذا الوضع، وهو وضع قد ظهرت حسناته ومميزاته خلال التاريخ، كما سبق في إجابة أخرى في سؤال آخر. ولكنه اليوم سواء على المستوى الوطني أو على المستوى الإسلامي، أو على المستوى الدولي، اليوم، تتضح أهميته وتزيد قيمته، ونحن في أمس الحاجة إلى أن نكون واعين بذلك، حتى لا نقع فيما يثير الاضطراب في أذهاننا أو البلبلة في فكر الشباب الذي يعيش في ظرف متطور، ويعايش واقعا معاصرا اختلطت فيه الأمور. وهذا الوضع المتميز الذي يعيشه المغرب، لعله الضمان لكي يحافظ المغرب على وحدته وعلى استقراره. وحين نقول على وحدته: على وحدته العقدية، على وحدته السكانية، على وحدته السياسية، وعلى وحدته الترابية، وكل هذا ينبغي أن ننظر إليه بالاهتمام الضروري.

سؤال : إذا سمحتم، فضيلة الدكتور، ربما فهمت من كلامكم أن الهيئتين معا: رابطة علماء المغرب والمجلس أو المجالس العلمية، أنهما من خلال جهودهما المبذولة على مستوى النشاط العلمي وعلى مستوى الوعظ والإرشاد، أنهما يخدمان المصلحة المشتركة من جهة للإسلام والمسلمين ومن جهة أخرى للنظام الحاكم، إذا صح هذا الفهم أو إذا صح هذا التعبير، ألا ترون معي أن هذا فيه نوع من التناقض، إذ كيف يعتبر أن تخدم العقيدة إيديولوجية النظام الحاكم ؟

جواب :

كان الأمر سيكون فيه تناقض لو أن الوضع التاريخي والوضع السياسي للمغرب مختلف عما هو عليه الآن، أما وأننا في المغرب نعيش نظاما يتميز بهذه الخصوصيات التي تحدثت عنها، فإنه لا مجال لإثارة أي تناقض أو التفكير في أي تناقض.

نعم، نحن نثير في أذهاننا تناقضا حين نتعامل أو نريد أن نتعامل مع الواقع بأفكار مخالفة لما هو من طبيعة هذا البلد، ولما هو مواكب لتاريخه ولواقعه، فليس هناك، إطلاقا، أي تناقض. قد يثار التناقض في بلد آخر، ولكن بالنسبة للمغرب والوضع على ما هو عليه، أي أن الحاكم، وهذه يمكن أن نقولها بصراحة، الحاكم هو حامي الوطن وحامي العقيدة في نفس الوقت. ويكفي أن نعرف أنه أمير المومنين. فهذه كلها معطيات ينبغي أن نعيها وأن نفهمها وأن ننطلق منها في التعامل مع غيرنا ومع أنفسنا، وألا نكون فقط تحت تأثير القراءات النظرية، أو تحت تأثير تجارب الآخرين الذين لا ينطبق واقعهم على واقعنا، أو ليس هناك ما يمكن أن يكون مقربا بيننا وبينهم.

سؤال : في سياق السؤال السابق، دائما، إذا كان لرابطة علماء المغرب وللمجالس العلمية دورٌ إيجابي وفعال على مستوى الوعظ والإرشاد وعلى مستوى تهذيب سلوك الأفراد والجماعات، داخل المجتمع، فلم نرى داخل مجتمعنا المغربي وهو تسوده موجة من الفساد الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي، في رأيكم ما هي أسباب هذه الظواهر الفاسدة ؟

جواب :

ما يتخبط فيه المجتمع المغربي راجع إلى أسباب
كثيرة : راجع، بالدرجة الأولى، إلى انعدام التربية : التربية أهملت في مختلف المؤسسات والجهات التي ينبغي أن تنهض بها. أهملت في المدرسة، وأهملت في البيت والأسرة، وأهملت كذلك في الشارع وعلى المستوى العام، أي على مستوى المجتمع. فنتيجة لهذا الوضع اللاتربوي حدث ما حدث ويقع ما يقع. ثم إن هناك بالإضافة إلى هذا العامل الأساسي الذي هو العامل التربوي، هناك عامل آخر خاضع لشروط التطور وظروف هذا التطور، بكل ما يفرضه التطور أو ما يأتي به التطور، وبكل ما قد يكون في ذلك من سلبيات ناتجة عن طغيان القيم المادية التي أصبحت تستبد بالمجتمعات العالمية. وكذلك هناك عامل آخر، وهو الأزمات والمشكلات التي يعيشها المجتمع من بطالة وما ينتج عن البطالة من أزمات اقتصادية واجتماعية. كل ذلك يتدخل ليفضي إلى ظهور بوادر التحلل والتخلي عن القيم وانتشار بعض مظاهر الفساد. ولا شك أن هنا سيطرح السؤال عن العلماء وعن دور العلماء. والعلماء يتحملون بالفعل مسؤولية كبرى، لأن العلماء، أيضا، لم يعودوا يقومون بالدور الذي ينبغي أن يقوموا به، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هناك سبب آخر لا أقول، التخلي، ولكن هناك نوع من التعامل بشيء من اللامبالاة بهذا الواقع، وكأن العلماء لا يعطون لرسالتهم الأهمية التي ينبغي أن تكون لهذه الرسالة.

فهناك أيضا، في وسط العلماء والمثقفين والمفكرين والأدباء وأصحاب الكلمة، هؤلاء جميعا، هم أيضا يتخبطون في مشاكل ويعانون اضطرابا في المفاهيم، ومن ثم، فإنهم من خلال أو عبر هذا النزاع الحضاري وهذا الصراع الثقافي الذي يعرفه المغرب ويعرفه العالم كله، هم في شبه حيرة من أمرهم، بعضهم يائس من الإصلاح، بعضهم ينظر بلا مبالاة، بعضهم يبذل جهدا، وهذا ينبغي أن نعترف به. هناك العلماء الذين يبذلون جهودا، ولكن هذه الجهود تبقى في نطاق الممكن وفي نطاق ما هو ميسر لهم حتى ينهضوا برسالتهم.

سؤال : في سياق، دائما، الدور الذي تقوم به المجالس العلمية ورابطة علماء المغرب، يقال : إن هاتين الهيئتين معا لهما وزن قوي اجتماعيا، هل هذا القول، في رأيكم،
صحيح ؟

جواب :

ينبغي أن يكون لرابطة علماء المغرب وينبغي أن يكون للمجالس العلمية دور قوي ووجود وحضور في المجتمع، ولكن هل هذا الحضور هو حضور بالشكل وبالمستوى المرجو، وبالمستوى الذي يمكن أن يحقق الغايات التي من أجلها أقيمت المجالس ومن أجلها نظمت الرابطة ؟ إذا ما وقع الشعور الصادق بالمسؤولية، وإذا ما أعطيت الإمكانيات اللازمة للعلماء، وإذا ما حدث توضيح الرؤى والمفاهيم وتحديد الغايات والأهداف، فإنه لا شك سيكون للرابطة وسيكون للمجالس، الحضور الذي يتناسب مع المرحلة الجديدة. وهي مرحلة كما لا يخفى على أحد تتسم بالخطورة والصعوبة وبالظروف الدقيقة والأزمات والمشاكل التي سيستعصي حلها إذا لم تتكاثف الجهود في هذا المضمار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حديث علمي شامل
مع ميثاق الرابطة

"القسم الثاني"(1)

 

 

(1) حول : "الرسالة و السياسة العلمية للنشاطات الدينية" ميثاق الرابطة - (الخميس 29 شعبان 1417 الموافق 9 يناير 1997م) وقد أجراه الأستاذ مصطفى ودادي (رئيس التحرير).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مُهد له بهذه الكلمة:

في هذا الحوار يدلي الدكتور عباس الجراري ببعض الآراء والأفكار، ويفصح، بصورة غير مباشرة، عن تقصير العلماء في القيام بواجباتهم ومسؤولياتهم، خاصة في مجال التوعية الدينية. وتعرض في حديثه الذي أدلى به لجريدة "ميثاق الرابطة" إلى مسألة الغزو الإعلامي الغربي وتأثيراته السلبية على الأبناء والشباب والمواطنين، ويرى أن الحل الأنجع لمقاومة القيم الغربية المبثوثة عبر وسائل الإعلام، يكمن في تحصين عقول الأبناء والشباب والمواطنين بالتربية السوية وبالأخلاق الإسلامية الصحيحة.

ولا يخفي ما لمسألة الاقتباس الحضاري من أهمية بالغة في حياة العالم الإسلامي، لمواكبة التطور المدهش الذي يشهده العالم في جميع الأصعدة. وفي هذا الاتجاه يؤكد أن الاقتباس الحضاري ضروري ولا مفر منه، ولكن ينبغي أن يكون التبادل الحضاري منسجما مع أصالتنا ومقوماتنا وتاريخنا وتراثنا. وبصدد الحديث عن مشكلة التطرف التي تستقطب اهتمام معظم الدوائر الفكرية والسياسية في العالم وتشغل بالهم، يكشف أن معظم بلاد العالم تعاني من مشكلة التطرف، وأن هذه الظاهرة ليست منحصرة فقط، في رقعة جغرافية معينة. وما يمكن تحصيله في هذا الباب هو أن الإسلام بريء مما ينسب إليه من أشكال العنف والإرهاب.

وفي هذا العدد الأسبوعي، يسر جريدة - ميثاق الرابطة - أن تقدم لقرائها الكرام القسم الثاني من الحوار، وإليكم نص الحوار التالي :

سؤال : إذا كان، فعلا، للهيئتين معا دور قوي ووزن قوي، فهل لهما انعكاسات إيجابية على مستوى ترشيد القرارات السياسية، والسياسات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والإعلامية ؟

جواب الدكتور عباس الجراري :

هنا لا بد من التنبيه إلى أمر مهم وهو أن العلماء، وحينما نقول العلماء، ينبغي أن نوسع دائرة العلماء، لتشمل كل القائمين على شؤون الفكر والثقافة والدين والأدب، وما إلى ذلك مما يعطي لمفهوم العلم ومفهوم العلماء مدلولا واسعا حتى لا يقزم هذا المفهوم. هؤلاء العلماء متى قاموا برسالتهم، ومتى طرحوا أفكارهم، ومتى قاموا بالتوعية اللازمة، ومتى أوضحوا وبينوا رأيهم في مختلف المشكلات، ومتى أثاروا وعرضوا الحلول الناجعة لمختلف هذه المشكلات التي يعانيها الناس سواء على المستوى الوطني أو على المستوى الإسلامي، ومتى فعلوا ذلك، ومتى عرفوا كيف يقدمون الرأي العلمي، وكيف يكون هذا الرأي مقنعا، فإنهم لا شك يستطيعون فرض الآراء الصحيحة وفرض الحلول الناجعة ؛ ولكن إذا ظلوا مهمشين، وإذا ظلوا منكمشين، وإذا قنعوا بأن ينحصر دورهم في إطار وعظي محدود لا يُسمع ولا يقنع أحدا، ولا يصل إلى عقول الشباب والطلاب والمواطنين عامة، فإن دورهم سيظل دورا متقلصا لا يستفيد منه أحد.

سؤال : نعود إلى الحديث عن الفساد الإداري والأخلاقي والاجتماعي الذي تكلمنا عنه سابقا، والذي قلتم فيه بأن أهم عنصر أو أهم سبب هو سوء التربية. في رأيكم، ألا يمكن اعتبار أن التحدي الإعلامي الغربي المطروح على الساحة الوطنية والعربية والإسلامية، سبب آخر ينضاف إلى هذه الأسباب التي أدت إلى فساد المجتمع المغربي بصفة خاصة، وإلى فساد المجتمعات العربية والإسلامية بصفة عامة ؟

جواب :

هذا صحيح، الإعلام الغربي يعمل على نشر قيم غير صحيحة وغير صالحة. المؤسف هو أن هذه القيم التي يبثها الغرب فينا تصل إلى عقر بيوتنا عن طريق الأجهزة المتطورة التي أصبحت اليوم في كل بيت، عبر القنوات المختلفة التي ليس في مقدور أحد أن يمنعها. ولكننا نستطيع أن نمنع تأثيرها السلبي على أبنائنا وبناتنا وعلى المواطنين عامة، إذا نحن جعلناهم يتسلحون بما يجعلهم محصنين ضد كل سلبيات هذه الثقافة الجديدة التي تحمل قيما مناقضة لأصالتنا، مناقضة لديننا، مناقضة لأعرافنا، ولما نريد أن نكون عليه. فالحل ليس في أن نمنع وصول هذه الثقافة، فإنه لا مجال لمنعها، ولكن الحل في أن نحصن أبنائنا بتربيتهم، وبإشباعهم بالثقافة الإسلامية الحقيقية، بزرع الأفكار الوطنية والدينية في عقولهم وفي قلوبهم حتى يتعاملوا مع هذه القيم المادية وهذه القيم الفاسدة بشيء من الحصانة تجعلهم في منأى عن أن يقعوا فريسة لها.

سؤال : إذا سمحتم، فضيلة الدكتور عباس الجراري، سننتقل إلى المحور الثاني الذي يتعلق بالنشاط العلمي للمجلس العلمي الإقليمي لولاية الرباط وسلا، فضيلة الدكتور، هل يمكنكم أن تعطونا فكرة عن دور المجلس العلمي الإقليمي وطنيا على مستوى النشاط الثقافي والعلمي لهذه السنة الحالية ؟ هذا سؤال أول. سؤال ثان : ما هي مشروعاتكم المستقبلية للنهوض بالمجلس العلمي الإقليمي على الصعيد الوطني والعربي والإسلامي ؟

جواب :

المجلس العلمي لولاية الرباط وسلا والأقاليم المجاورة، شأنه شأن بقية المجالس، يتحمل مسؤولية كبرى تقتضي منه أن يسهر على عملية الوعظ والإرشاد، وعلى توعية المواطنين بشؤون دينهم، وعلى توجيههم ثقافيا التوجيه الصحيح السليم. وهذا يتحقق في مجالات متعددة: تنظيم لقاءات متواصلة، محاضرات وندوات، وكذلك نحن نسعى إلى تكوين الوعاظ والمرشدين والأئمة والخطباء، أي نسعى إلى تقويم ما يحتاج إلى تقويم في مختلف هذه المجالات، وذلك عن طريق دورات تدريبية نقوم بها لتنبيه القيمين الدينيين، لا سيما، الخطباء والوعاظ والأئمة لتنبيههم إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه، وإلى ذلك ملء الثغرات التي تكون في تكوينهم وفي ثقافتهم الإسلامية والعامة.

وبالفعل المجلس العلمي في هذا الموسم، قمنا بدورة تدريبية للخطباء وكانت دورة ناجحة، كذلك قمنا ببعض المحاضرات سواء في الرباط أو خارج الرباط. وكذلك نظمنا ندوة مؤخرا شارك فيها عدد من الأساتذة المتخصصين في موضوع يشغل بال المواطنين جميعا، وهو الفوائد البنكية. ونحن بصدد التنظيم لعقد ندوات في موضوعات تهم المواطن وتهم الشاب وتهم الفتاة وتتناول القضايا الحية والمسائل الشائكة التي تشغل بال الناس اليوم، ولا سيما بال الشباب والمتعلمين بصفة عامة.

ونحن نأمل أن نحقق الكثير من الأهداف التي هي مسطرة في الظهير المنظم للمجالس العلمية، ونسعى كذلك إلى أن تكون هذه الأنشطة التي نقوم  بها متجددة ومسايرة للمرحلة الجديدة التي يجتازها المغرب والعالم الإسلامي بل العالم كله.

سؤال : في إطار النشاط العلمي الذي تقوم به المجالس العلمية على الصعيد الوطني، هل هناك إمكانيات في إطار العلاقات الثقافية والنشاطات العلمية للتنسيق والتعاون المشترك بين المجالس المغربية وبين سائر المجالس العلمية المشابهة لها على الصعيد العربي والإسلامي ؟

جواب :

نحن نسعى إلى التعاون بين مختلف المجالس في المغرب. وهذا قائم ويتحقق عن طريق تنظيم بعض الأنشطة التي يشترك فيها أكثر من مجلس. ونحن بصدد التخطيط للقاء علمي نقيمه مع بعض المجالس المغربية الأخرى، وقد يكون في الرباط أو في غير الرباط من الأقاليم المغربية.

أما على الصعيد الخارجي فهناك بعض الاتصال وبعض التعاون، ولكن ليس هناك شيء مدروس ومخطط في سياق التعاون بين المجالس العلمية والمؤسسات الإسلامية في العالم الإسلامي.

نعم، نحن نلتقي من خلال المؤتمرات، ولا سيما المؤتمرات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والجامعة الصيفية، وفي مؤتمرات الصحوة التي يلتقي فيها عدد كبير من علماء الإسلام ومن ممثلي الهيئات والمؤسسات الإسلامية العالمية. كذلك يتم الالتقاء في مناسبة شهر رمضان حين يحضر العلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي للمشاركة في الدروس الحسنية الرمضانية التي تلقى بحضرة مولانا أمير المومنين. وهذا كله يعتبر لبنات قوية وأساسية من شأنها أن توطد العلاقة بين علماء المغرب وزملائهم في العالم الإسلامي، ولكن كل ذلك ليس في الدرجة التي ينبغي أن يكون عليها هذا الاتصال حتى يحقق العلماء جميع ما هم مطالبون به، وأتحدث هنا عن العلماء على مستوى الأمة الإسلامية.

سؤال : دائما، في سياق التساؤلات السابقة ... كيف ترون أهمية ودور المجالس العلمية الرسمية على الصعيد العربي والإسلامي في خصوص ترشيد القرارات السياسية من أجل حل المشاكل والقضايا الكبرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية ؟

جواب :

كما قلت لك من قبل، متى كان العلماء متحملين لمسؤوليتهم، ومتى كانت كلمتهم واضحة وموحدة، ومتى كان رأيهم مقنعا، ومتى تجمعت العناصر التي من شأنها أن تجعلهم ينهضون بمسؤوليتهم ؛ متى تحقق ذلك فإن أي قرار أو أي توجه أو أي أمر فإنه سيكون متأثرا، إن لم يكن سائرا ومسايرا لما ينبغي أن يكون عليه من الوجهة الوطنية ومن الوجهة الإسلامية.

سؤال : نعلم أن الأحزاب السياسية وطنيا لها منافذ كثيرة ولها مجالات كثيرة وبصفة خاصة دُور الشباب التي تستقطب إليها الشباب وتؤطرهم حسب معتقداتها وإيديولوجيتها، هل المجالس العلمية تقوم بنفس هذا الدور ؟ وهل لها فروع على الصعيد الإقليمي لتقوم بعملية استقطاب الشباب وخاصة الشباب المنحرف ؟

جواب :

كما بينت لك من قبل، المجالس العلمية غاياتها واضحة وأهدافها محددة، وهي تقصد إلى نشر التوعية الصحيحة الحقيقية في مختلف شؤون المواطن، انطلاقا من القيم الدينية والمبادئ الإسلامية. وهذا لا يعني أن المواطن لا يتعامل إلا مع المجالس العلمية، أو لا ينبغي أن يتعامل إلا مع المجالس العلمية.

نحن في بلد يتميز بالتعددية ويتسم بالحرية، ومن ثم فإن وجود أحزاب وجمعيات وهيئات تؤطر المواطنين وتكونهم وتسعى إلى جمعهم ولمهم، هذا لا يتعارض في شيء مع ما ينبغي أن تقوم به المجالس، لأن المواطن في حاجة إلى تأطير، وفي حاجة إلى تعبئة، وفي حاجة إلى توعية، وفي حاجة إلى من يأخذ بيده. وكل من هو مؤهل للقيام بذلك عليه أن يقوم بهذا الدور. فأن تقوم هيئة بعمل، هذا لا يتنافى مع أن تقوم به هيئة أخرى، طالما أن الأهداف واضحة، وطالما أن النيات صادقة، وطالما أن الغاية هي تكوين المواطن، وتحصين المواطن وجعله قادرا على أن يعيش في مجتمع نظيف، وأن يكون مسؤولا في هذا المجتمع، وأن يكون محصنا ضد كل الأفكار الهدامة. وهذه الأهداف ينبغي أن يتعاون الجميع عليها لما فيه صالح المواطن وصالح المجتمع المغربي وصالح مختلف مقومات هذا البلد ومكونات هويته.

سؤال : أنتقل معكم إلى محور آخر يتعلق بمحور حضاري : لقد كثر الحديث داخل الدوائر الفكرية والسياسية في السنوات الأخيرة عن قضية أساسية وملحة للدول السائرة في طريق النمو، وخاصة الدول العربية والإسلامية، ألا وهي قضية الاقتباس الحضاري من الطرف الآخر أي الغرب، فكيف ترون هذه القضية ؟ وما هي تعليلاتكم الإيجابية في حالة الاتفاق مع دعاة الاقتباس الحضاري من الغرب ؟

جواب :

الحضارة ظاهرة غير ثابتة، الحضارة في تطور دائم وفي نمو مستمر، والحضارة ليست حكرا على أحد. ومجال تبادل التأثر والتأثير فيها مجال واسع، ولا ينبغي أن ينكره أحد. والحضارة مراحل، والحضارة كذلك في نطاق تغيرها قابلة لكي تقتبس ولكي يتأثر بها غير صانعيها. ويوم كان المسلمون مؤهلين لإنشاء حضارة وثقافة، فإنهم استطاعوا أن ينشئوا هذه الحضارة وهذه الثقافة التي تعرف بالحضارة الإسلامية والثقافة الإسلامية، واستطاعوا على مدى عصور طويلة أن ينموها، وأن يغنوها في مختلف المجالات، وأن يفرضوها على غيرهم. والعالم الغربي استطاع أن يتطور انطلاقا مما أفاده من الحضارة العربية والإسلامية.

ونحن اليوم، نعيش مظهرا من مظاهر التطور، هذا التطور الذي يجعل الحضارة الغربية تفرض نفسها على الآخرين وعلى المسلمين بصفة عامة.

نعم، لا مفر لنا نحن من الاقتباس. وينبغي أن نقتبس، ولكن ينبغي أن نقتبس بوعي، أي أن نقتبس ما هو نافع من جهة، وأن نسعى في اقتباسنا إلى التوفيق بين ما نقتبسه وبين ما ينسجم مع هويتنا ومع عقليتنا ومع تاريخنا وتراثنا ومع همومنا ومشاكلنا وتطلعاتنا في المستقبل. فالعيب لا يمكن أن يكون في التبادل الحضاري أو في الاقتباس الحضاري، بل بالعكس الاقتباس أو استطاعة امتصاص حضارة الآخر، هذا دليل على حيوية، ودليل على قوة، ودليل على قدرة، ولكن ينبغي أن نفعل ذلك بمعرفة وبوعي وبقدرة على التمييز بين الصالح والفاسد.

سؤال: لقد قال الأستاذ المرحوم عبد الله كنون، دائما، في سياق هذا الحوار حول الحضارات، لقد قال قولته المنشورة بجريدة "الميثاق" تحت عدد 36 سنة 1963 عند تحليله لنص الخطاب الملكي بمناسبة عيد الشباب لعام 1963 قال: "لقد صدقوا لقد تقدمنا، ولكن تقدمنا يسير إلى وراء ...".

على ضوء هذا القول، رغم ما فيه من نقد لاذع واستهزاء وسخرية ... كيف ترون قضية التقدم الحضاري ؟

  وهل كان الأستاذ الراحل صائبا فيما ذهب إليه من خلال نظره لواقع الأمة العربية والإسلامية في الوقت الراهن ؟

جواب :

  إننا حين نتأمل الواقع الذي يعيشه المسلمون بالقياس إلى ما حققه الغرب من تقدم، ولا سيما في المجال التكنولوجي والعلمي بصفة عامة، فإننا نلاحظ الفرق الكبير الذي يفصلنا عن الغرب. ومن ثم فإنا قد ننظر إلى أنفسنا بشيء من التشاؤم أو بشيء من اليأس. وهذا منظور شائع الآن. هناك الذين يرون أنه لا إمكان للحاق بالغرب، وبالإضافة إلى هذا هناك جانب آخر، وهو لا شك أنه هو الذي حرك المرحوم الأستاذ عبد الله كنون ليقول مثل هذه القولة، وهو أننا ربما نخطو خطوات إلى الأمام في المجال المادي وفي المجال التقني، ولكننا نتراجع فيما يتعلق بالقيم، وفيما يتعلق بالعقيدة، وفيما يتعلق بمقومات شخصيتنا وهويتنا. وكل ذلك يدل على ما نعانيه في هذه المرحلة من اضطراب. نحن نعيش نزاعا حضاريا وصراعا ثقافيا مع أنفسنا ومع الآخرين. وينبغي أن نتسلح بالمكونات والمقومات التي بها نهض الغرب. الغرب نهض بالعلم، ونهض بالجد، ووصل إلى ما وصل إليه بقوة ذاته، وبما توافر له من مقومات علمية ومادية. نحن ما زلنا في أول الطريق، نحن ما زلنا نعاني الأمية والضعف العلمي وقلة الإنتاج العلمي وضعف البحث العلمي، بالإضافة إلى أننا نشكو داخليا من هذا الصراع الذي يبننا وبين أنفسنا ومقومات ذاتنا داخليا. ولهذا ينبغي أن لا نضيق بالحضارة الغربية، وأن لا نلقي كل العيوب عليها، هذه الحضارة سائرة في طريقها، ونحن لا مفر لنا من التعاون معها ومن الاستفادة منها ومن الاقتباس، ولكن على أن نكون محصنين ومسلحين حتى نستطيع أن نهضم وأن نمتص ما عند الآخرين، ونجعله مفيدا لأنفسنا ولحضارتنا ولثقافتنا، من غير أن نكون يائسين من جهة، ومن غير أن يتسرب إلينا الفشل والإحباط الذي نصادفه عند كثير من الناس ؛ ولكن كذلك من غير أن ننغلق وأن نغلق الأبواب والنوافذ ونقول: إن هذه حضارة غير صالحة فنحن نرفضها ...

سؤال : يكثر الكلام، اليوم، عن ظاهرة التطرف الديني ونعت الإسلاميين بالمتطرفين والإرهابيين من طرف القيادات الحاكمة الدولية، وكذا من طرف المؤسسات الفكرية والسياسية المعادية للإسلام والمسلمين، فما هو تقييمكم لهذه الظاهرة ؟

جواب :

ما ينبغي أن يقال هنا : هو أن التطرف ليس من شأن الدين، وأن الإسلام يدين التطرف ويرفض التطرف، ويرفض كل تشدد وكل عنف. ثم إن هذا التطرف الذي يعيشه العالم اليوم، وليس العالم الإسلامي فحسب، معظم بلاد العالم تعيش ظاهرة التطرف. وهذا التطرف الذي نسمع عنه ونقرأ عنه لا علاقة له بالإسلام، بل لا علاقة له حتى بأي دين. هذا من جهة، من جهة ثانية أن ظاهرة التطرف هي راجعة إلى أسباب، ربما شروط اجتماعية وظروف اقتصادية، عوامل أخرى ... وإنما يتستر البعض وراء الدين للقيام بما يقومون به، فينبغي أن تعالج هذه الظاهرة بمنظور واضح: الإسلام يدين التطرف، لأنه دين التسامح، ودين التعارف، ودين الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والتعايش مع الآخرين، سواء أكانوا من المسلمين أم من غير المسلمين، سواء أكانوا يعيشون في نفس المجتمع أم يعيشون في مجتمعات أخرى. الإسلام هو دين التسامح والتعارف بامتياز، ما يقع هو مرتبط بأسباب أخرى لا علاقة لها بالدين، ولكنها قد تتستر خلف الدين أو قد تحلل من الزاوية الدينية ولكن الدين منها بريء ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


حوار مع الملحق الثقافي لجريدة "العلم"

حول النشر و التحقيق(1)

 

 

 

 

(1) نشر هذا الاستجواب في الملحق الثقافي لجريدة العلم يوم السبت 12 ذي الحجة 1407 (8 غشت 1997) عدد : 835 سنة 17. وقد أجرته الأستاذة الدكتورة السيدة نجاة المريني: في ضوء صدور الكتابين التاريخيين "مجالس الانبساط" و "الاغتباط بتراجم أعلام الرباط".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مَهدت له بالكلمة الوافية الآتية :

لاشك أن العناية بالكتابة التاريخية شكّلت وتشكّل عبر فترات تاريخية مختلفة هاجساً كان وما يزال يشغل فكر الكتاب المغاربة على مستويات كثيرة، فمنهم من اهتم بالتاريخ العام للمغرب متتبّعاً التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المغربي في تفاعلاتها وتطوّراتها، ومنهم من اهتم بالتراجم والفهارس، ومنهم من اهتم بتاريخ المدن أو المدينة التي ينتمي إليها المؤلف المؤرخ، فتحدث عنها وعن أعلامها، متقصّيا الجزئيات ومفصلا في المجملات كي يعطي صورة تكاد تكون واضحة جامعة عن المدينة وحضارتها ورجالها، إلى غير ذلك.

وقد نشطت حركة التأريخ للمدن المغربية ولأعلامها منذ وقت بعيد، فكتب ابن القاضي عن مدينة فاس (جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس). وفي العصور المتأخرة نجد ابن زيدان يكتب عن مكناس في (إتحاف أعلام الناس)، والكانوني يكتب عن (آسفي وما إليه قديما وحديثا)، وابن علي الدكالي يكتب عن مدينة سلا في (الإتحاف الوجيز)، ودينية وبوجندار يكتبان عن مدينة الرباط في (الانبساط) و(الاغتباط)، بينما يكتب عبد الله الجراري عن العدوتين كتابه (من أعلام الفكر المعاصر بالعدوتين).

ومن المؤكد أن مؤلفات من هذا النوع ستكشف النقاب بصفة دقيقة عن حقيقة الأوضاع المختلفة في المنطقة المؤرخ لها، إذ نجد المؤلف يعمد إلى الاستفادة ممّا كان متوفراً لديه من مصادر ومخطوطات، ومن النقولات الشفوية التي كان يأخذها عن بعض معاصري الأحداث، فتتكوّن لديه معلومات كثيرة صحيحة يعمل على تدوينها وتسجيلها، وهكذا تكتمل لديه الصورة: عن البلدة: تاريخها ومآثرها وسكانها، عن الرجال الأعلام ومؤلفاتهم. وكل هذه المعلومات يستقيها المؤرخ المؤلف ممّا استطاع التوصل إليه والاطلاع عليه، ومما لم يستطع وإنما نقل إليه خبره عن طريق رواة ثقات - بحكم احتفاظ ورثة العَلَم الفقيد بمؤلفاته خوفاً من اطلاع الناس عليها - سبق لهم أن اطلعوا على هذه الأخبار أو سمعوها عن صاحبها، فعلقت  بأذهانهم.

وتتبلور أهمية المؤلفات التاريخية أو غيرها في طبعها ونشرها، ومن ثمّ في رواجها وشيوعها واستفادة الناس على مختلف طبقاتهم منها، وهكذا يتعرّف الناس إلى الغامض المجهول عندهم من تاريخ مدينتهم ومن أعمال رجالها، فينكبون على الكتاب المؤَلَّف درساً وتحليلا ونقاشا، ويسهمون بدورهم في تنشيط الدرس التاريخي أو الأدبي، بما لديهم من المعلومات أو الحقائق أو الإضافات التي قد يكون المؤرخ أغفلها أو نسيها ...

في هذا الإطار، تعزَّزت المكتبة المغربية اليوم بصدور مؤلفين تاريخيين هامّين عن مدينة الرباط، العاصمة الإدارية للمملكة، حيث انصبّ اهتمام المؤرخين دينية وبوجندار على التأريخ لمسقط رأسيهما عبر عصور التاريخ المختلفة، وعلى التأريخ لرجال هذه المدينة، كما فعل غيرهم من المؤرخين.

أمّا الكتابان فهما : (مجالس الانبساط بشرح تراجم علماء وصلحاء الرباط) لجامعه محمد بن علي بن أحمد دينية المتوفى سنة 1358ﻫ، و (الاغتباط بتراجم أعلام الرباط) لمؤلفه محمد بن الحاج مصطفى بوجندار المتوفى سنة
1345 ﻫ.

صدر الكتاب الأول (مجالس الانبساط) منذ سنة تقريباً في مايو 1986م في 339 صفحة من القطع المتوسط في طبعة لا بأس بها، حافظ من خلالها المشرفون على نشر الكتاب وعلى تقديمه كما هو في الأصل، وكما كتبه مؤلفه دون زيادة أو نقص ؛ وإن جعل أحد أقارب المؤرخ دينية السيد مصطفى الغربي لهذا الكتاب توطئة، فإنما هي تقديم لشخصية المؤلف، وتعريف به وبمراحل حياته ومؤلفاته، دون أية إشارة إلى هذه التوطئة في غلاف الكتاب. وبذلك نحمد للناشر عمله، وهو حفاظه على المتن ونشره كما هو ليصبح في متناول الناس. وهو في جزأين، يقع الجزء الأول في 177 صفحة، والثاني في 156 صفحة من القطع
المتوسط ...

أما الكتاب الثاني، فقد صدر في مطلع هذه السنة 1987م، وكما جاء في غلاف الكتاب "دراسة وتحقيق الدكتور عبد الكريم كريم". ولا شك أن غلاف الكتاب قبل الاطلاع عليه يثلج الصدر لكونه طبع ونشر محققاً، وبذلك يُعْفي القارئ من مشقة البحث والتقصّي. أمّا الدراسة، فالمعتقد أنها ستضيف جديداً إذ ستكشف عن عمل الدارس وعن اشتغاله بتقديم هذا المتن تقديما جيّداً ومفيداً. غير أن القارئ سيفاجأ بطريقة أو بأخرى، بطريقة التحقيق (الجديدة) التي تحافظ - كما فعل الدكتور كريم - على المتن الأصلي كما هو بتخريجاته وهوامشه، دون إضافة أو تصحيح أو تعليق أو توضيح كما هو معروف عند المهتمين بالتحقيق، ولا أقول المحققين، فأين التحقيق ؟ تحقيق المتن الذي قام به الأستاذ المحقق ؟...

وإن قلنا وسلّمنا - رغم أن العمل المحقق ليس سوى تصوير للمتن كما هو - بتحقيق كتاب الاغتباط، فالسؤال الذي يطرح نفسه: أين هي مقدمة المحقق التي يشرح فيها منهجه في العمل، ويوضّح فيها للقارئ مشكلات النص المحقق اعتماداً على النّص الأصلي وعلى النصوص الأخرى    - إذا كانت متوفرة -  إلى غير ذلك ممّا هو معروف في ميدان التحقيق ؟

وتعميماً للفائدة، فقد وضع الدارس المحقق الأستاذ عبد الكريم كريم لكتاب الاغتباط (مقدمة) دون أن يشير إلى ذلك، تحدث فيها عن حياة المؤلف المؤرخ محمد بوجندار، وعن عمله (الاغتباط) مكتفياً بالنقول أو الأقوال التي كان قد سجلها المؤلف بقلمه. يقول الأستاذ المحقق: "يهتم بمن أنجبته مدينة الرباط"، وبين معقوفتين يورد قول المؤلف في الموضوع: "من الأئمة الأعلام والرجال العظام"، ثم يضيف الأستاذ كريم : "وبتراجم الأولياء والصالحين"، وبين معقوفتين قول المؤرخ بوجندار : "وذكرت كثيراً ممّن اشتهروا بالولاية والصلاح، ولم يشتهروا بالعلم" (ص 4). أمّا العمل الذي يظهر أن الدارس قام به، فهو جدولة الأعلام المترجم لهم حسب تخصّصاتهم وطبقاتهم التي تبلغ أربع عشرة طبقة: العلماء، الفقهاء، القضاة ... ألخ، كما يضع الدارس فهرساً بأسماء الأعلام وبأسماء المساجد والزوايا الوارد ذكرها في المؤلَّف، وكذلك فهرساً للمؤلفات والفهارس والإجازات وغيرها ...

تستغرق هذه المقدمة (الدراسة والتحقيق) سبعاً وعشرين صفحة، منها سبع صفحات في التعريف بالمؤلِّف المؤرخ وكتابه، وعشرون صفحة تضمّ فهرسة وتصنيفاً للأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب. أمّا فهرسة الكتاب ففيها إشارة إلى المقدمة، وثبت آخر للأعلام مرتبين حسب ورودهم في المتن (المحقق؟!).

بقي أن أشير إلى أن كتاب الاغتباط يقع في جزأين هامين : الأول والثاني. يبدأ الجزء الأول من المتن المصور من الصفحة 1 إلى الصفحة 237، حيث جاء في آخر صفحة: "تمّ الجزء الأول من كتاب الاغتباط، ويليه الجزء الثاني أوله حرف الهمزة، ذكر من اسمه إبراهيم". ويبدأ الجزء الثاني من صفحة 238 إلى صفحة 479، وقد جاءت في آخر الصفحة أبيات شعرية للمؤلف ينوّه فيها بعمله، مشيراً إلى تاريخ الانتهاء من كتابته بحساب الجمل، بكلمة "الاغتباط"، وهي سنة 1344 ﻫ، (وقد وقع المؤلف في خطأ. إذ جاء حساب كلمة "الاغتباط مساوياً 1444 ﻫ). والغريب أن الدارس المحقق لم يشر في مقدمته إلى أن عمله سينصّب على جزأين من الكتاب تحقيقاً ودرساً، حتى يكون القارئ على بيّنة ممّا سيقدم عليه أثناء القراءة أو عند الاستفادة من الكتاب !!

** ** **

  الحقيقة أن صدور كتاب (الاغتباط) بهذه الطريقة الجديدة في التحقيق والدراسة تدعو إلى التساؤل والاستفسار حول واقع التحقيق في ميدان التراث. وقد دفعني هذا العمل إلى التأمل مليّاً في منهجيته، متسائلة عن حقيقة إنجاز تحقيق كتاب (الاغتباط)، فهل أحسن الأستاذ الدكتور عبد الكريم كريّم إلى المؤرخ المؤلف السيد بوجندار بتحقيق كتابه والعمل على نشره، أم أنه أساء إليه بمثل هذا التحقيق ؟

إنه عمل يبعث على التساؤل وعلى السؤال. وهكذا توجهت بالسؤال المباشر إلى أستاذي الجليل الدكتور عباس الجراري لأعرف رأيه، وأستنير بتوجيهه في مثل هذا الموضوع الشائك. وقد دار الحوار بيننا سجالا حول الكتاب المطبوع (المحقق) لصاحبه محمد بوجندار، وحول الكتاب المطبوع (المنشور فقط) للمؤرخ محمد دينية. ولأهمية هذا الحوار ارتأيت أن أشرك معي بعض القراء المهتمين بالتحقيق أو المهتمين كذلك بتاريخ مدينة الرباط لتوضيح كثير من الحقائق من جهة، وللحديث عن الكتابين الصادرين عن مدينة الرباط في فترة زمنية واحدة من جهة ثانية، وفيما يلي نصّ الحوار :

1/ الأستاذ الجراري، لا شك أن صدور كتاب المؤرخ الرباطي بوجندار "الاغتباط بتراجم أعلام الرباط" أضاف جديدا إلى المكتبة التاريخية الرباطية، فكيف كان وقع صدور الكتاب في نفسكم ؟

على الرغم من أن الكتاب كان معروفا من خلال نسخه المخطوطة التي أفاد منها الباحثون المعتنون بتاريخ أعلام الرباط، فقد جاء نبأ صدوره باعثا على كثير من الارتياح، إذ سيجعل هذا الكتاب متداولا على أوسع نطاق، وميسرا في أيدي الدارسين والطلاب، وكذا في متناول القارئ العادي الذي قد يميل إلى هذا النمط من الكتابة التاريخية. إلا أن الشعور بالارتياح لم يلبث أن خف وخفت، إن لم أقل تحول إلى ضده حين تبين الشكل الذي تم عليه إخراج الكتاب.

2/ جاء في غلاف الكتاب المطبوع "الاغتباط" [دراسة وتحقيق الدكتور عبد الكريم كريم] فماذا يعني التحقيق ؟ هل يعني التصوير كما هو الشأن في كتاب "الاغتباط" ؟ أم أن التحقيق شيء آخر، له منهجيته وأصوله ؟

لنشر كتب التراث توجد طرق ثلاثة :

الأولى : التصوير، أي تصوير المتن ليخرج على نفس شكل المخطوطة، ويكون التصوير بذلك وسيلة آلية لتقديم نسخ مكررة من هذه المخطوطة، تصبح لها نفس القيمة التي للنسخة الأصلية.

الثانية : الطبع، ويقتضي نقل النص من شكله المخطوط إلى شكل آخر يجتاز مرحلة الطباعة بكل ما تتطلبه من مراجعة وتصحيح حتى يخرج المتن طبق الأصل.

الثالثة : التحقيق، وهو مصطلح يرادف التصديق، ويقتضي تحقيق عنوان الكتاب واسم مؤلفه ونسبة الكتاب إليه، ثم تحقيق المتن ليقدم على الصيغة التي أرادها مؤلفه له، أو على أقرب صيغة إلى ما أراده، دون التدخل بالزيادة أو الحذف أو أي تصرف مهما كان، إلا إذا تعلق الأمر بنص القرآن الكريم، فإنه تصوب أخطاء كتابته، أعني ما يعد أخطاء بالفعل مما لم يرد على أية قراءة حتى ولو كانت شاذة. كذلك يصوب ما يدخل في نطاق التصحيف والتحريف. وليس هذا فحسب، ولكن عملية التحقيق تقوم أيضا على ضبط النص، أي شكل ما يرد فيه من أعلام وأشعار وكلمات غامضة، وكذا تقوم على التعليق على النص، سواء على مستوى المقابلة بين مختلف نسخه، أو على مستوى توضيحه وشرحه والتعريف بأعلامه، وبما قد يكون فيه من إشارات تاريخية أو جغرافية أو أدبية أو غيرها.