عباس الجراري

 

 

 

 

 

 

 


الجزء الأول

 

 

جمع وتقديم

حميدة الصائغ الجراري

 

منشورات النادي الجراري

إ

إ

 

 

- 34 -

 


جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

 

 

 

الطبعة الأولى

جمادى الأولى 1427 هـ

الموافق يونيو 2006م

 

 

 

 

مطبعة الأمنية – الرباط

الإيداع القانوني : 1602/2006

ردمك :  9981 - 893 - 17 - x

 

المؤلف وزوجته في أحد أجنحة (المكتبة العباسية)

بالنادي الجراري

 
 



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



 


تقــديــم

 

يتبين لكل متتبع لمسيرة التأليف والنشر، أن كل كتاب لا يخلو من تقديم، يكون توطئة يُهَيَّأ بها القارئ للموضوع الذي سيتناوله الكتاب الذي بين يديه.

ولا يكاد يخرج أمر هذا التقديم عن إحدى حالتين :

أولاهما أن يقدم المؤلف نفسُه لكتابه، وثانيتهما أن يتكفَّل بذلك غيره، إما شخص واحد أو أكثر ممن يتوسم فيهم الكاتب اهتماما بالموضوع المتناول وبصاحبه، خاصة وهو في الغالب ما يكون من أصحاب الدراية والتمرس وذا باع في المجال بحثا ودراسة، ونقدا واطلاعا، ومشاركة وإبداعا.

وهذا ما جعل الكثيرين من المؤلفين حين يعقدون العزم على نشر إنتاجاتهم، يقصدون الأستاذ الدكتور عباس الجراري لتوافر كل هذه المعطيات وغيرها فيه ؛ إذ يزيد أحيانا أن يكون قد عايش العمل باعتباره مشرفا عليه رسالة أو أطروحة ؛ أو أن يكون المصدر الأساسي للمادة التي أدار عليها المؤلِّف كتابه.

ولا غرابة في ذلك وهو المؤطر الصبور والعالم الغيور والموثق الدقيق وصاحب "المكتبة العباسية" التي تضم من الذخائر والنفائس والمخطوطات ما يساعد على إخراج الكثير من أدبنا الغميس في شقيه المدرسي والشعبي.

يضاف إلى كل هذا أن كتابة تقديم – أي تقديم - يستوجب قراءة فاحصة متأنية تُمكِّن من استيعاب مضمون الكتاب ليتأتى بعد ذلك تقديمه بشكل جيد ومشوق للباحثين الدارسين ولعموم القراء على السواء بالنحو الذي يغريهم بقراءته وعدم تقليب صفحاته ورميه وربما للاعودة إليه.

ولن أخفي - وأنا أعايش الأستاذ - أنه في كل مرة طُلب منه كتابة تقديم إلا وأخذ المؤلَّف ثانية وثالثة ليستخلص مزاياه فيثني عليها، ويكشف نواقصه فينبه لها. وهو بقدر ما يكون كريما في الأولى يكون رحيما في الثانية، يلتمس الأعذار ويشجع على الاستمرار ويحاول جهده لتذليل الصعاب التي تحف بالنشر وتكاد تعوقه.

وبحكم مساعدتي له في الطبع والتصحيح، تسنى لي أن أكون في كل الأحيان أول قارئ لما يكتبه، كما كنت في أحيان قليلة أول ناقد. وكان دائما يتلقى ملاحظاتي بصدر رحب وبسعة خاطر لا يتواجدان إلا عند العالم الفذ والمربي الحق والمؤطر المتمكن ؛ وغالبا ما كان يدخلها في الاعتبار بتواضع منه كبير ممزوج باحترام وتقدير ؛ وكانت أسعد أوقاتنا هي التي نعيشها مع مخاض كلٍٍَّّ من كتبه أو بحوثه أو مقالاته أو محاضراته أو تقديماته. وكانت هذه الأخيرة تشدني وتثير فضولي أكثر من غيرها لتنوع مضمونها وإيجاز فحواها وتَلَوُّنِِ مُكوّْنها الذي كان ضيقا على سعته رحبا رغم صغره.

ويبدو لي أن التقديمات شكل أدبي ونوع من الإبداع لا يقل عن البحث أو المقال أو الرسالة أو الخاطرة أو غيرها من شتى ألوان الإنتاج الفكري، وخاصة التقديمات التي يكتبها الأستاذ لما تتميز به من درس وتمحيص يجعلها أحيانا في مصاف البحث والدراسة.

وحين قيض الله أن تصبح الخطب الجرارية الجمعية موضوعا لأطروحة دكتوراه، على أمل إخراج نصوصها فيما بعد، راودتني فكرة اقتراح تقديماته موضوعا لرسالة جامعية تضاف إلى ما كتب عنه من بحوث ودراسات. ولكنني وقد لمست وعايشت معاناة الباحثين في جمع المادة، أرجأت البوح بهذا الاقتراح لحين يتأتى تعبيد الطريق بجمع كل ما كتب ونشر من هذه التقديمات في شتى المجالات وعلى اختلافها، ما بين دواوين ودراسات مدرسية وشعبية وقضايا وظواهر وبيبليوغرافيا إلخ...

*******

وتشاء الأقدار أن يتوقف إنتاج الأستاذ بسبب الوعكة الصحية التي تعرض لها أواخر العام الماضي ، والعملية الصعبة التي خضع لها أوائل السنة الحالية، وما صاحب كل ذلك من مضاعفات ومعاناة لا أرى الله مثلها لحبيب. وفي تلك الأثناء العصيبة كنت أحسه يألم لكثرة ما عنده من أعمال لم يُتح له إخراجها، ويخشى فوات العمر دون نشرها. وسنحت لي بادرة : لماذا لا أعمل على تعويضه عن بعض ذلك، بأن أجمع وأُعد التقديمات لتصبح جاهزة بين أيدي الدارسين والقراء، سهلة التناول بين دفتي كتاب ربَّما من جزأين أو ثلاثة ؟ ولكن انشغالي بصحة الأستاذ ورعايتي المتواصلة له وملازمتي له التي لم تنقطع لحظة من ليل أو نهار ؛ كُلها حالت دون ذلك، وخاصة بعد سفرنا لـ "كليف لاند بولاية أوهايو بالولايات المتحدة الأمريكية" لإجراء العملية.

وعدنا بحمد الله، وعادت التقديمات تلح علي. فلِم لا تكون المفاجأة بها مجموعة ومنشورة أحسن هدية أقدمها لشريك الحياة، وهو يتعافى ابتهاجا بسلامته، وتأكيدا له أن الوقت لم يفُتنا، وأني سرقت منه فترات خصصتها خلسة لإعداد "كلمات تقديم" ؟ وهو العنوان الذي اقتبسته من موقع الانترنيت الخاص بالمؤلِّف. وكلي أمل في أن تتاح لي ولو مجرد الإشارة لما ارتأيته من جوانب لفتت انتباهي في كتابته لهذه الكلمات، وإن كنت لا أزعم أني سأقدمها بمثل ما قَدمت به هي كتبها... ولكن يكفيني - على قصر باعي وضيق الوقت واختلاس اللحظات حتى أحفظ للمفاجأة حلاوة وقعها - أن أسجل :

1- أنها - أي التقديمات - متنوعة  بتنوع المواضيع التي تتناولها، بين شعر وطني، وشعر جهاد، ومقطوعات صوفية، ودواوين معربة وزجلية رقيقة، وعرض لفن المقامة، وبلاغة القصيدة المغربية، وتأريخ لمنطقة، ورحلة شيقة، وإضاءة على شخصيات كان لها أثرها السياسي أو الأدبي أو الاجتماعي، غيرَ مفرِّق بين المدرسي والشعبي، ولا متجاهل للمواضيع الساخنة الآنية، كموضوع الصحراء المغربية التي ما فتىء يؤكد مغربيتها وارتباطها بالوطن الأم، من خلال التدليل على ذلك بتتبع البيعات، والرحلات، والمساجلات، والإخوانيات وغيرها.

2- أنها تعطي صورة صادقة ومشوقة تغري بالاطلاع على الكتاب.

3- أنها تقدم دراسة وافية عن نوع الكتاب حين يقتضي الأمر ذلك، من مثل ما حصل في تقديم "يابني"، حيث جاءت بحثا عن "الرسائل" كمنحىً أدبي لم يُلتفت إليه في مغربنا الحبيب.

4- أنها جاءت - في معظمها - تشجع على مواصلة تناول الجديد المفيد كـ "البيبليوغرافيا".

5- أنها تحث على الروح الوطني وترسخ جوانبه المشرقة، على نحو "الأناشيد الوطنية".

6- أنها تناولت القديم والحديث.

7- أنها شملت بعض ما أشرف عليه الأستاذ - رسالة أو أطروحة – وكذا ما لم يكن له فيه دور التأطير، وحتى بعض ما صدر عن جهات رسمية.

8- أنها أعطت المرأة حقها، فهي عنده والرجل سواء لا فضل لأحدهما على الآخر إلا بجودة الإنتاج.

9- أنها في نطاق اهتمامه بالتراث الشعبي لم تغفل جانب "الموسيقى" بل كان لهذه السبقُ في النشر، إذ ضمَّن بعضها في الكتب التالية :

أ- في الإبداع الشعبي. مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 1408 هـ - 1988 م.

ب- النغم المطرب. منشورات النادي الجراري رقم 22 مطبعة الأمنية – الرباط 1422 هـ - فبراير 2002م.

ج – مع المعاصرين. الجزء الثاني منشورات النادي الجراري رقم 24 مطبعة الأمنية الرباط 1423هـ - 2002م

وهي التقديمات التي لم أشأ إعادة نشرها في هذا المجموع.

10- أنها تخضع عنده لتصميم يجعلها تُفتتح في الغالب بتمهيد للموضوع، فتأتي حسب المقتضى تحديدا للمرحلة زمانا ومكانا، أو تعريفا بالبيئة، أو عرضا عن نسق أدبي متميز. ويُتبع التمهيد بتلخيص موجز وبليغ للكتاب يكون موفِيًا بكل معطياته ومضامينه. ثم ينتقل للتعريف بالمؤلِّف وذكر علاقته به والإشارة لبعض ملامح سيرته وإنتاجه، وما يتميز به في مجال البحث، مُرَكِّزا على تخصصه، ليختم بالتعبير عن متمنياته له، مع الدعاء بالتوفيق والسداد واطراد التقدم.

11- أنها في حجمها تتراوح بين قصيرة ومتوسطة وطويلة، دون أن يكون في أيها إخلال بالمطلوب، حسب رؤيته للموضوع وتناوله.

12- أنها من حيث الأسلوب واللغة لا تخرج عما ألفناه من عميد الأدب المغربي من كتابة سلسة بليغة لا تكلف فيها ولا تصنع، وإن تضمنت بعض المحسنات وبدت ألفاظها منتقاة، ولكنها تبقى من السهل الممتنع الذي يسحر بنبراته، حتى لتخاله لحنًا ينساب للمسامع فيصل القلوب ويشحذ الأذهان.

*******

هذا وقد ارتأيت استبعاد التقديمات التي كتبها في غير الموضوعات المغربية، أو لمن لا ينتمي للمغرب مثل تقديم "من وحي الأطلس" للشاعر الجزائري المرحوم مفدي زكرياء.

وبذلك شمل ما جمعته من تقديمات ما كتبه ابتداء من سنة 1974م إلى منتصف 2006م، فتجمعت لدي حوالي الخمسين، سأبدأ بالجزء الأول منها حسب الترتيب التاريخي لكتابتها على أن يضم أربعة وعشرين وقفت بها عند عام 2000م؛ وأتبعه إن شاء الله بالجزء الثاني في انتظار ما سيجد من تقديمات. كما ارتأيت أن أفتتح كل تقديم بإثبات عنوان الكتاب ومؤلِّفه وتاريخ طبعه وفق ما في غلافه.

وأملي كبير في أن يغري هذا المجموع أحد الباحثين ليتناول بالدرس كلمات التقديم الجرارية. وعندها سأحس الرضا لمساهمة جد متواضعة في تجلية جانب من أدبنا المغربي ودراسة أعلامه.

فلعلِّي أكون قد وفقت في التعبير عن فرحتي بشفاء زوجي الحبيب من جهة، وفي قطع فترة توقفه من جهة أخرى، مستسمحة "منشورات النادي الجراري" أن أضفت لها كتابا دون علم صاحبها. فليتقبله مشفوعا بكل حبي ولهفتي ووفائي للعهد الذي ربطنا والذي لا تزيد أواصره عندي مع الأيام إلا رسوخا وقوة.

ودعائي متصل أن يحفظه الله، ويبارك علمه وعمله، ويفيض إنتاجه، ويبقيه لأسرته الصغيرة ولمجموعته الكبيرة ولوطنه العزيز في ظل مليكه المفدى جلالة الملك محمد السادس الذي شمله – أعزه الله وأيده –برعايته وعطفه وحد به.

إنه السميع المجيب وولي الهداية والتوفيق.

الرباط الجمعة ثالث جمادى الثانية 1427 هـ

الموافق 30 يونيو 2006م

حميدة الصائغ الجراري

 

 

 

 

 

 

 



 

 

 


الشعر الوطني المغربي

في عهد الحماية

1912-1956

 

 

 

 

للدكتور إبراهيم السولامي

 

 

 

 

نشر وتوزيع

 دار الثقافة

الدار البيضاء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

ليس من شك في أن الأدب المغربي يشكل منطقة بكرا في عالم الدراسة والبحث، وليس من شك كذلك في أن هذه حقيقة تنتج عنها صعوبات تعترض كل من يحاول خوض مجال ما من مجالاته. وتتجلى هذه الصعوبات في مادة البحث ذاتها، وفي مصادرها، وحتى في المنهاج الذي يقتضيه هذا الموضوع أو ذاك.

من هنا كان تقديري لهذه الدراسة القيمة التي يقدمها الأستاذ الزميل ابراهيم السولامي عن الشعر الوطني خلال فترة الحماية، والتي تعتبر بحق إضافة علمية غنية للمكتبة المغربية خاصة، وللمكتبة العربية عامة، ليس فقط أنها جاءت لتملأ بعض الفراغ الذي تشكو منه الدراسة الأدبية سواء في المغرب أو المشرق، ولكن لأنها جاءت عملا جادا وجديا لا بد أنه أرهق صاحبه وأضناه. بل إني لأشهد على ذلك، فقد كان الأخ السولامي يطلعني على بعض متاعبه، وكنت أحس – ولو من بعيد – مدى ما يعاني ويكابد، ومدى الصدق والإخلاص اللذين كان يعالج بهما معاناته ومكابدته.

ومع تقديري المبدئي للرسالة، وللجهد الذي بذله الصديق السولامي في إنجازها، فقد كانت لي ملاحظات طرحتها خلال الجلسة التي نوقشت فيها هذه الرسالة ؛ وهي ملاحظات لا أريد أن أعود إليها، فقد وعد باعتبارها وهو يعيد النظر في رسالته ويعدها للنشر.

لذا فإني لن أتناول في تقديم هذه الرسالة تقويمها النقدي، كما أني لن أقرظها، إذ هي بإيجابيتها غنية عن كل ثناء، ولكني سأحاول – ولو بإيجاز – طرح الإطار التاريخي والفكري والأدبي الذي يمكن أن يدار داخله بحث عن موضوع جزئي هو الشعر الوطني وفي فترة محددة بعهد الحماية. كما يمكن أن يدار في نطاقه أي موضوع أو ظاهرة أو قضية أو أية جزئية تعاني من الضياع في شتات مبعثر ولا محدود بل غير معترف بوجوده عند كثيرين، ألا وهو الشعر المغربي الحديث والمعاصر.

*** *** ***

وإذا كان المدلول الزمني لكلمة (حديث) بالنسبة للأدب العربي عامة قد ارتبط بـ (النهضة) التي عرف المشرق ابتداء من عهد محمد علي وربما منذ الحماية الفرنسية على مصر، فإنه بالنسبة للمغرب بقي غامضا وغير واضح. ولعل سبب ذلك كامن في العزلة التي فرض على نفسه أو فرضتها عليه الظروف الداخلية والخارجية منذ انتهاء عهد الوحدة في القرن السابع الهجري، والتي جعلته ينكمش على نفسه ويبذل كل طاقاته للذود عن كيانه ورد العدوان الخارجي المتربص به. وإذا كان العصر السعدي قد عرف بعض التفتح على أقطار أوربية وإفريقية وحتى مشرقية، فإن هذا التفتح كان رهنا بظروف عابرة وفترات محدودة. وفي الوقت الذي كانت شمس النهضة تلقي بأشعتها على المشرق، كان المغرب يسعى جهده لحماية استقلاله من النفوذ العثماني أولا ثم من التدخل الأوربي ثانيا.

وربما أمكن اعتبار حادث احتلال الجزائر سنة 1830 بداية عصر جديد في المغرب والشمال الإفريقي عامة، لأنه كان بمثابة الناقوس الذي دق ينذر بالخطر في المنطقة. وقد أفاق المغرب من سباته بالفعل، وكان ممكنا أن تبدأ النهضة – ولو متأخرة – وكانت قد تيسرت لها أسباب متلاحقة لعل هذه أهمها:

أولا: البعوث العلمية التي وجهت إلى مصر على عهد السلطان محمد بن عبد الرحمن، ثم إلى أوربا أيام الحسن الأول.

ثانيا: المحاولات المتعددة لتنظيم الإدارة والجيش ومختلف مرافق الدولة.

ثالثا: دخول المطبعة إلى المغرب من باريز عام 1859، ومن مصر سنة 1865، ثم توالي المطابع بعد ذلك.

رابعا: ظهور الصحافة ابتداء من 1889، وهي السنة التي صدرت فيها أول جريدة أسبوعية، وكانت تسمى "المغرب" ثم تلتها صحف أخرى غير قليلة.

ولكن هذه العوامل لم تثمر، حيث وجدت عوائق كثيرة حالت دون ظهور النهضة:

أولها: الظروف الداخلية والخارجية التي كان يعاني منها المغرب نتيجة الإنهاك الذي أصابه على إثر مواجهته لفرنسا وفي وقعة إيسلي سنة 1844، ثم لإسبانيا في حرب تطوان عام 1860، تلكم المواجهة التي اضطر إليها عقب مساندته للجزائر والتي فتحت عليه باب المناوشات والتدخلات إلى أن كان عقد الحماية سنة 1912.

ثانيها: طبيعة البعوث التي وجهت للخارج، إذ لم يكن يقصد منها إلى التعليم الطويل بقدر ما كان يقصد إلى التكوين السريع والتدريب العلمي على بعض التقنيات. ومن ثم لم تمس حركتها أي جانب من ميدان الفكر يمكن أن يكون له تأثير في العمق.

ثالثها: اقتصار المطابع على إخراج بعض الكتب الدينية والمتون المقررة في مجالس الدرس، كشمائل الترمذي وشرح ميارة على ابن عاشر، وهما في طليعة الكتب التي نشرت يومئذ.

رابعها: عدم وجود رأي عام وطني واع يبلور اختيارات الشعب ومطامحه.

والمسؤولية في ذلك تقع على القيادة السياسية التي كانت تسعى، أو يسعى من حولها لحماية مكاسبهم على حساب الشعب الذي كان مسلوب الإرادة. وما تجميد المسؤولين للخريجين الذين عادوا من البعثات الموفدة للخارج إلا مظهرا لذلك. والمسؤولية تقع كذلك على العلماء ورجال الفكر الذين قطعوا ما بينهم وبين الجماهير من رباط، فلم تعد لهم أية مبادرة ولا أي دور قيادي ولا أي صوت مسموع إلا ما كان من صوت الوعظ والإرشاد. وحتى هذا الصوت فقد كان غالبا ما يضيع في زحمة الصراع من أجل المصالح والتهافت على تحقيقها بكل الوسائل.

لهذا كله تأخرت النهضة في المغرب إلى ما بعد إعلان الحماية، وكانت لها أسباب مباشرة يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولا: المقاومة الشعبية المسلحة التي عبر بها المغاربة في مختلف المناطق عن موقفهم من الحماية. وقد توجت هذه المقاومة ثورة الريف العارمة التي أعادت للمغاربة ثقتهم بذات الفرد والجماعة، وجددت فيهم قدرات النضال وقوة الإحساس بالكرامة.

ثانيا: الانتفاضة الفكرية التي بدأت متمثلة في الحركة السلفية التي قادها الشيخ أبو شعيب الدكالي لمحاربة البدع والطرقية والخرافات والشعوذة ومختلف مظاهر فساد الدين، ولكنها لم تلبث أن تطورت على يد تلاميذ الشيخ إلى معركة بين الشيوخ والشباب أو بين القديم والجديد، في توافق مع حركات الإصلاح في بقية أقطار المغرب العربي، وخاصة حركة جمعية العلماء الجزائريين التي فتحت مجال صحافتها للأقلام المغربية التي لم تكن تجد لها متنفسا في جرائد المغرب يومئذ.

ثالثا: ظهور وعي شعبي جديد نتج عن العاملين السابقين، متجليا سنة 1930 في الموقف من حادث الظهير البربري الذي كان بداية انطلاق العمل السياسي والعمل الثقافي في التحام برزت الحركة الوطنية من خلاله.

رابعا: الخروج من العزلة بمحاولة الاتصال مع المشرق، عن طريق الصحف والمجلات والكتب التي كانت تتسرب رغم الرقابة وعن طريق بعض البعثات، ثم بمحاولة التفتح على أوربا، ولو في إطار محدود بواسطة الثقافة الفرنسية التي كانت تلقن في المدارس ويحملها الموفدون.

*** *** ***

لو حاولنا أن ننظر في حال الشعر قبل هذه الفترة وحتى في أوائلها، لوجدناه امتدادا للقديم، في محاولة عند المجيدين لمحاكاة بعض أعلام الشعر العربي، والأندلسي منه بخاصة.

وعلى الرغم من طغيان الموضوعات التقليدية، فإن بعض الشعراء تناولوا الأحداث التي تعرض لها المغرب، ونبهوا لضرورة الجهاد، سواء عند احتلال الجزائر كما فعل محمد بن ادريس ومحمد غريط، أو أثناء حرب تطوان على حد ما نجد عند المفضل أفيلال وغيره من أدباء هذه المدينة المحليين، وكذلك عند إعلان الحماية حيث تصدى للقول بعض الشعراء أمثال محمد المشرفي والطاهر الإيفراني.

ومع أن النصوص غير متوافرة، فإننا نستطيع من خلال القليل الذي وصلنا منها، أن ننتهي إلى أن الشعر في هذه المرحلة كان يغلب عليه طابع الصنعة، وإلى أن معظم الشعراء كانوا يحترفونه لمجرد الزخرفة، باعتباره عنصرا مكملا لثقافة الفقيه أو العالم، وباعتباره من حيث الوظيفة لا يتعدى التسلية والمداعبة والترويح والتنفيس عن كوامن الذات.

وقد استمر هذا التيار يعايش أجواء النهضة الجديدة حيث اهتم شعراؤه بالموضوعات الخاصة والإخوانية، كما اهتموا بالمناسبات وما يكون فيها من مدح وتهنئة، وخاصة في ليلة المولد النبوي التي كان يحييها السلطان وتلقى فيها قصائد مفعمة بروح الدين ونفَس المدح. وقد برز في هذه المناسبة شعراء رسميون كعبد الله القباج ومحمد بوجندار وابن ابراهيم ومن إلى طبقتهم من الشعراء الذين كانوا رغم شاعريتهم المتألقة في أحيان غير قليلة، ينزلون بهذه الشاعرية إلى درجة من الإسفاف نتيجة الإلحاح على وتر التملق الذي تضيع في نغمه أبعاد شخصيتهم وما لهم من قدرات فنية وطاقات تعبيرية.

وبرز إلى جانب هؤلاء المحترفين شعراء حاولوا أن يبتعدوا قليلا أو كثيرا عن هذا التيار، وبدأوا يتناولون بعض الجوانب المتعلقة بالنهضة من أحداث سياسية واجتماعية أو غيرها من القضايا المرتبطة بظروف هذه النهضة ومقتضياتها المختلفة، وفي طليعتها الدعوة إلى التعليم والتركيز على ضرورة طلب العلم ومخاطبة الشباب في ذلك، على حد ما نجد عند محمد السليماني ومحمد النميشي. وكانت مناسبة ختم المتون فرصة يستغلها بعض الأدباء المربين لتوجيه النصح والإرشاد للناشئة. وفي هذا المجال يذكر محمد المدني بن الحسني في قصيدتيه المشهورتين إلى تلاميذ مدرسة والزهراء والمدرسة الكتانية، كما يذكر الجزولي في قصيدته بمناسبة ختم الشيخ أبي شعيب الدكالي سنن ابن ماجة، ويذكر كذلك المكي الناصري في قصيدته التي أنشأ عند اختتام الشيخ المدني بن الحسني جامع البخاري.

وكانت الروح الوطنية والقومية والدينية تحث الشعراء على التجاوب مع بعض الأحداث المحلية، ابتداء من ثورة الريف التي انتشرت معها أناشيد لأبي بكر بناني ومحمد اليمني الناصري، وكذا بعض الأحداث العربية كما نقرأ عند علال الفاسي في قصيدته التي قال إثر المظاهرات التي قامت بها النساء الفلسطينيات سنة 1932، وعند عبد الله كنون في قصيدته عن أحد الجرحى الفلسطينيين في ثورة 1936 وقصيدته في رثاء وعد بلفور، وعند التهامي الغربي في مقصورته التي تعرض فيها للقضية الفلسطينية بعد إعلان دولة إسرائيل. كذلك كان التجاوب مع قضايا العالم الإسلامي مظهرا آخر لهذا التيار الجديد يكفينا أن نمثل له بموقف الشاعر الجزولي من انتصار الأتراك على اليونان.

وقد ظهر في هذه الفترة نوع جديد من الشعر مزيج من الأفكار الوطنية والمدح، يعتبر محور الشعر الوطني بعد 1934 ؛ وهي السنة التي تقرر فيها الاحتفال الرسمي بعيد العرش. وقد كانت هذه المناسبة السنوية فرصة يتاح فيها للشعراء أن يعربوا عن عواطفهم وأفكارهم المرتبطة بالنضال الوطني، في جو من الحرية تبيحه حصانة المناسبة. ومن أبرز المتبارين في هذا المجال محمد بن المهدي العلوي ومحمد العثماني ومحمد الحلوي وعبد المالك البلغيثي والحسن البونعماني وعبد السلام العلوي وعبد الرحمن الدكالي وغيرهم من الشعراء الذين كانوا يتجاوبون مع المناسبة على اختلاف أجيالهم وتباين انتماءاتهم.

وكان ممكنا لهذه الإرهاصات الجديدة أن تتبلور في تيار أو تيارات تغني حركة الشعر في هذه المرحلة، لولا عوامل حالت دون ذلك يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولا: خنق الحريات ولا سيما في مجال التعبير.

ثانيا: ضعف التعليم ومحدوديته، وإن بدأ التعليم العربي الحر يزاحم التعليم الرسمي.

ثالثا: ضيق مجال الصحافة.

رابعا: قلة النقد.

ونود أن نسجل هنا ملاحظة تنطبق على الشعراء المغاربة في هذا العصر وكل عصر، بل على شعراء العربية وأدبائها عامة إلا في حالات نادرة، وهي فردية الشعراء وانعزاليتهم الفكرية، وعدم ميلهم إلى الالتقاء في مجتمعات أدبية لتطارح هذه القضية أو تلك من قضايا الشعر ومحاولة مناقشتها وتبادل النظر فيها للانتهاء إلى رأي يمكن أن تتضح من خلاله أبعاد تيار أو مدرسة أدبية يتعدى مفهومها ما وصلنا عن مدرسة أبي تمام وزهير. وقد عرف الشعراء المغاربة بعض مجالات الالتقاء أبرزها نادي أبي جندار، ولكنهم حتى في هذا النطاق الضيق لم يكونوا يجرؤون على تبادل النقد، ولم يكونوا يتناولون مشاكل التعبير ليتدارسوا صعوباتها، وليخرجوا من مناقشتها باتجاه جماعي محدد ومتبلور.

ولعل من نتائج ذلك أن بدت أطوار الشعر متداخلة في هذه الفترة. فمن جهة استمر التيار القديم يحمل لواءه شعراء أمثال محمد غريط وأحمد بن المامون البلغيثي ومحمد السليماني والمكي البيطاوري ومحمد بوجندار وأحمد سكيرج ومحمد الجزولي وأحمد الزبدي وأبو بكر بناني. ومن جهة ثانية ظهر شعراء مجددون ولكنهم كانوا يسيرون في اتجاهين متفاوتين: أحدهما يعتمد أساسا على التراث في محاولة لترسم خطى حركة البعث في مصر. وقد برزت فيه مجموعة نذكر منها محمد اليمني الناصري ومحمد القرى ومحمد المختار السوسي وعلال الفاسي. والثاني له ارتباط ما بالتراث ولكنه متأثر بمدرسة الديوان في اتجاه العقاد الواقعي الرومانسي أو بمدرسة أبولو والمهجر. وفي هذا الاتجاه لمعت أسماء جيل من شباب الفترة نذكر منهم محمد الحلوي وعبد القادر حسن وعبد الكريم بن ثابت وعبد المجيد بنجلون ومن إليهم من الشعراء الذين مجدوا الحرية في أبعادها الذاتية والجماعية وتغنوا بالطبيعة والجمال، وربما أخضعوا الإشادة بهما للتعبير الوطني الناسج على خيوط رومانسية.

وكان ممكنا للحركة الشعرية في هذه الفترة وعلى يد هذا الجيل – بحكم عوامل اتصال كثيرة – أن تتعدى مرحلة التأثر بواسطة الشرق لتقتبس مباشرة من التيارات الفرنسية المتفاعلة يومئذ، والتي لم تكن قد وصلت أصداؤها إلى بلاد الشرق العربي. ولكن عوامل الاتصال لم تكن من القوة والعمق بحيث تيسر أسباب هذا الاقتباس، بل لقد وجد من الشعراء المغاربة من أتيحت لهم فرصة الإقامة في أوربا، دون أن يكون لإقامتهم أي تأثير يذكر في تطوير شعرهم. نذكر منهم محمد (فتحا) الناصري الذي ذهب إلى فرنسا دارسا للحقوق غير ملتفت لمجالات الأدب والشعر هناك. ونذكر منهم كذلك عبد الرحمن حجي الذي أقام مع أسرته يعمل بالتجارة في لندن، والذي لا نجد تأثيرا لهذه الإقامة في شعره إلا من خلال بعض القصائد التي تناول فيها معاناته المرضية من جراء قسوة الطقس هناك.

وربما جاز لنا أن نعتبر في هذا الإطار المتداخل وامتدادا له، تيار الشعراء الشباب أو الشعراء الجدد الذين أوقدوا جذوة الشعر غداة الاستقلال، في محاولات مختلفة لتطويره وتجديده، وهي محاولات ما زالت مستمرة. وقد كانت المرحلة تصل إلى عقدين تغني حركة الشعر المغربي المعاصر، وإن لم تتضح ملامحها بعد إلا من خلال ما تكشف من بصمات التأثر بهذا الاتجاه أو ذاك، وخاصة بحركة الشعر الحر عامة فيما يتعلق بالتكوين، ثم بشعراء الوجدان الجماعي أو الواقعية الاشتراكية من حيث المضامين. ولعلهم بصفة عامة متأثرون بمختلف أنماط الشعر العربي الذي أنتجه جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، بكل ملامح القلق والاضطراب التي نتجت عن الهزات السياسية والفكرية والاجتماعية التي تعرض لها العالم العربي، وخاصة منها مأساة فلسطين التي كشفت عن تناقضات المجتمع العربي وما يعاني من أعراض شللية. والشعراء – والأدباء عامة – يبحثون عن هويتهم بل عن ذواتهم الضائعة في هذا المجتمع فلا يهتدون، فينطوون على أنفسهم يجترون مرارتها في رفض يقوى ويضعف، ولكنه رفض مرضي وسلبي لا يعني غير إفلات الزمام والعجز عن امتلاك قوة الوجود وقدرة الصمود، إذْ أنه غير منبثق عن وعي بالذات وبالجماعة، وبانتمائهما الطبقي الناتج عن ظروف تطور غير طبيعية ولا واضحة، تجعلهم منفصلين عن المجتمع، ولا يدركون حتى حقيقة وضعيتهم فيه. وهم يعتمدون أساسا على الموهبة الفردية، وعلى اجترار أشكال ومضامين وقيم غير نابعة من تجربتهم وواقعهم. والمجيدون منهم يقتبسون بعض الأساليب الجديدة في محاولة تطويعها للتعبير مركزين على الرمز والأسطورة، ولكن الرؤى مشتتة ومضببة وغير موحدة. ولا عجب طالما أنهم يتحفزون من منطلقات ذاتية تجعل رؤاهم وليدة التفاعل الشخصي، وليست وليدة التفاعل الجماعي الذي من شأنه أن يلحم بين مختلف الرؤى ليولد خطا موحدا قادرا على أن يرفد التفكير ويغني التعبير، وعلى أن يرتفع بالمنتجين إلى مستوى المسؤولية للوعي بها وتحملها.

وشعرنا المعاصر يلح على المدلول الإنساني ويحاول إبرازه، نسجا على خيوط من الرومانسية المكشوفة حينا والمغلفة أحيانا كثيرة. وكان ممكنا أن تكمن هنا قيمته لولا إخلال بغير قليل من المقاييس ناتج عن بعض مظاهر النقص التي يعاني منها كثير من شعرائنا الشباب، والمتمثلة في محدودية القدرة اللغوية وضعف الثقافة العامة، والأدبية منها خاصة، ولا سيما ما كان منها متصلا بالتراث العربي والإنتاج العالمي. ومن المؤكد أن النقص في التكوين الفكري يترتب عنه قصور في فهم القضايا الوطنية والإنسانية وإدراكها بعمق، ويترتب عنه بالتالي عجز عن التجاوب معها وخلق الرؤيا نحوها، فضلا عن تحديد هذه الرؤيا. ويترتب عنه في النهاية ضلال أمام أعراض الداء والاختلال، وعدم اهتداء إلى الكشف عن مراكزه وعوامله المضاعفة لتعقيدات مجتمعنا المتخلف وتناقضاته، والوقوف أمامها غير قادرين فيها على الحسم والبث.

من هنا فإنا على كثرة ما نقرأ من شعر يتناول الجوانب السياسية والاجتماعية لبلادنا، لا نكاد نعثر على التجاوب الصادق والبعد المحدد والرؤيا الواضحة إلا عند قلة ممن أتيحت لهم ثقافة واسعة واتصال – ولو محدود – بالتراث القديم والثقافة المعاصرة، وخاصة عند مجموعة الجامعيين.

ويخطئ شبابنا حين يظنون أنهم حتى ولو لم تنضج شاعريتهم أو لم تكتمل لهم الأداة أو لم يتوافر لهم صدق المعاناة، فإن تناولهم لموضوعات حية تصادف هوى في نفوس القراء، وخاصة منها ما يتصل بقضايا النضال، سيغفر لهم كل العيوب وسيحول عنها نظر النقد. وهم في هذا ينسون أن عرض هذه القضايا – لكي تكون له قيمة ويكون له تأثير – يتطلب من الشاعر معرفة بالتصوير والقدرة عليه. كما يتطلب منه تجاوبا صادقا مع الجوانب الحية والمثيرة في هذه القضايا، ثم يتطلب بعد ذلك اتخاذ موقف منها، من شأن ملامح الصدق والقوة فيه أن تجعل المتلقين ينسجمون معه ويتجاوبون، فيتحول الصدق والتجاوب بذلك من إطارهما الشخصي إلى الإطار العام.

وطبَعي أن هذه العناصر – إذا توافرت – لا يمكن أن تنتج محاولات رديئة، وهي الصفة التي يستحقها كثير من الإنتاج الشعري المعاصر. على أَنَّا لا ننكر أن أصحاب هذه المحاولات يشكلون في غالبهم طاقات وقدرات هي لا شك واعدة بشعر مغربي جديد نريد أن تكون له قيمته وشخصيته النابعتان من التعبير السليم والفنية الجيدة والموضوع الحي والموقف الصادق، وأن تكون له أصالة متميزة تعتمد الانطلاقة من واقع المجتمع والاستيحاء من التراث الحي الفعال والاقتباس من ثقافات العصر وكل التيارات الأجنبية الإيجابية، على أن نكون قادرين لغويا وفكريا وذهنيا على استقبالها والاستفادة منها مباشرة وليس عن طريق الترجمات والتأثيرات الجاهزة التي تفد إلينا من الشرق. ومثل هذه السمات هي التي ستجعل من شعرنا –وأدبنا عامة– بنية طليعية، أي مومنة بقيم جديدة وداعية لها في صدق ووعي بالمسؤولية وقدرة على تحملها، ملتحمة مع الجماهير ورائدة لها في تأثير قيادي فعال، باحثة أبدا عن الجديد للإغناء به وتحقيق المعاصرة، وهادفة من وراء ذلك إلى تشكيل آخر للإنسان المغربي ولملامح مجتمع متغير يسير نحو التطور والتقدم بعيدا عن المعطيات العفنة والمواضعات البالية.

*** *** ***

وأدبنا بهذه الأبعاد الخلفية والمستقبلية – يطرح على باحثه مصاعب تضاف إلى المصاعب الطبيعية التي تواجه الدارسين في مجال الموضوعات المغربية عامة.

وكما عانى الأستاذ ابراهيم السولامي من هاته فكذلك عانى من تلك، ولكنه استطاع بصبر الباحث ودأبه وموضوعيته وسعة صدره أن يتغلب على الكثير منها. فلعله – وقد جرب وتمرس – أن يتابع الدراسة في الشعر المغربي الحديث والمعاصر، على الرغم من المصاعب والمشاق التي تكتنف دراسة هذا الشعر والتي تكتنف دراسة كل شعرنا وأدبنا عامة، والتي لا بد لها من رواد يقتحمونها ليعبدوا الطريق ويمهدوا السبيل، وإن بارتكاب هفوات وأخطاء. ويكفي الصديق السولامي فخرا واعتزازا أنه واحد من هؤلاء.

الرباط 4 مارس 1974

 

 



 

 

 


الشعـر الـدلائـي

 

 

 

 

 

 

للدكتور عبد الجواد السقاط

 

 

 

 

 

مكتبة المعارف للنشر والتوزيع

الطبعة الأولى 1985م

ا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

يتميز النسق السياسي والفكري في المغرب – على حد ما يكشف عنه تاريخه الممتد الطويل – بخصوصيات تبرز طبيعة هذا النسق الذي كان يتسم في مختلف مراحل ذلك التاريخ بالمزج بين المشروعية والقداسة، وربط الطاعة بهما في اندماج لا يقوم الكيان ولا يستقر إلا به.

ولا شك أن البعد الديني المتجذر في عمق ضمير المغاربة، يعتبر أساس هذه الرؤية التي غالباً ما وجهت سلوكهم في الخضوع والانقياد أو التمرد والثورة. وهو سلوك يعكس مدى القابلية للاستقرار والتغيير القائمين على مقاييس متطورة ومتحركة في معظمها، وإن كانت في بعضها من قبل الثوابت والسواكن.

ونعتقد أن تحليل تاريخ المغرب في ضوء هذا النمط من الإحساس والتفكير والتصرف، يسعف إلى حد بعيد في فهم ظاهرتين بارزتين عرفهما هذا التاريخ.

أولاهما: ارتكازه على دول تفاوت قدرها والدور الذي نهضت به وما كان لها من فعالية وتأثير ؛ إلا أنها مع ذلك شكلت محاور غالباً ما ظلت الحلقات الفاصلة بينها مبعثرة، إن لم أقل مفقودة أو شبه مفقودة، بما مثلته من فجوات وثغرات كاد خيط الوحدة والتكامل وسط ظلمتها واضطرابها أن يضيع في بعض   الفترات.

ثانيتهما: وجود مؤسسات موازية لهذه الدول، غالباً ما كانت تحول دون ضياع ذلك الخيط، بسبب انتشارها المتسع، وقدرتها على استيعاب الأمة، وامتصاص ما تتعرض له من صراعات وتناقضات، ومساهمتها في اجتياز تلك الهوات ؛   ولعل الزوايا كانت في طليعة هذه المؤسسات.

وقد ارتبط مفهوم الزوايا في المغرب، والشمال الإفريقي عامة، بالحركة الصوفية وما كان ينشأ عنها من طرق وطوائف ؛ مما جعلها تعني المكان الذي يجتمع فيه شيخ مع أتباعه ومريديه وتلاميذه. وهو مكان يتخذ للعبادة والتعليم، كما يتخذ للإطعام والإيواء، وقد يتخذ للتعبئة والجهاد حين يقتضي الأمر ذلك. وهو مفهوم يعبر عنه في المشرق مصطلح الخانقاه أو التكية أو التكة.

ولسنا نستبعد أن يكون مصطلح الزاوية وافداً إلينا من المشرق، حيث كان يعني المكان الصغير الذي يتعبد فيه، والذي غالباً ما يكون في الحجم والاتساع دون الجامع أو المسجد.

ومن المعروف أن هذا المصطلح لم يكن شائعاً عند المغاربة قبل القرن السابع الهجري. وربما كانت الزاوية المقامة لأبي محمد صالح في منتصف هذا القرن بأسفي من أولى المؤسسات التي حملت هذا الإسم بالمغرب. أما قبل ذلك، ولا سيما في العهود الإسلامية الأولى، فإن المراكز التي أنشئت
– كزوايا – كانت تحمل اسم الرباط، على غرار رباط ماسة في السوس الأقصى، ورباط شاكر المقام على ضفاف وادي نفيس ؛ ومثلهما رباط عبد الله بن ياسين عند مصب نهر السنغال أو النيجر، حيث كان انطلاق دعوة المرابطين.

مهما يكن، فطوال القرن الحادي عشر الهجري، وبصفة خاصة منذ وفاة المنصور السعدي عام 1012هـ إلى أن استقر الأمر للدولة العلوية على يد المولى الرشيد ابتداء من سنة 1075هـ بعد أن أتيح له توطيد السلطة المركزية والقضاء على بعض الفتن الداخلية، عرف المغرب في مختلف حواضره وبواديه حركة مزدهرة للزوايا، في طليعتها زاوية الدلاء.

وقد اكتسبت هذه الزاوية أهمية بارزة، من كونها استطاعت أن تستقطب في مركزها ببادية تادلا، طوال هذه الفترة الحالكة المضطربة، مختلف عناصر الفعالية وعوامل التأثير، مما أتاح لها تحكماً في الزمام إلى حد بعيد ؛ في وقت كانت العاصمة – ومثلها بقية الحواضر – منهارة، سواء على صعيد السياسة أو الثقافة. ثم إن هذه الزاوية اكتسبت أهمية خاصة من كونها بلورت الدور المتشعب الذي كانت تنهض به مثيلاتها، على جميع مستويات هذا الدور ؛ بالإضافة إلى المكانة المتميزة التي كانت لها في مجال العلوم العربية الإسلامية، ولا سيما ما كان منها متصلاً باللغة والأدب، والشعر على وجه الخصوص.

*** *** ***

وقد جاء الشعر الذي صدر عن أبناء الزاوية الدلائية والمنتمين إليهم، وثيقة نابضة بالحياة، تكشف عن مختلف المراحل التي اجتازتها الزاوية، بدءاً من التأسيس إلى التخريب ؛ وتبرز في كل منها الدور الذي اضطلعت به، سواء على صعيد التوعية الدينية، أو على صعيد التعبير عن الذات الجمعية المفعمة بإحساس النفوذ والمسؤولية، أو على صعيد اجترار الذكريات التي يحث الحنين على استرجاعها وبكائها واستخراج المواعظ منها والعبر.

وإن وثيقة هذا الشعر لتدل بما لا يدع مجالاً للشك، على أن الشعراء الدلائيين توسلوا به خطاباً عبروا من خلاله لأنفسهم وللآخرين عما كان يعتمل في وجدانهم، وعن المواقف المختلفة التي لجأوا إليها أو اضطروا إلى اتخاذها في غمرة ظروف العصر وأحداثه المتلاطمة ؛ انطلاقاً من روح حفزهم إلى الصدق في القول، والالتزام بالواقع، والابتعاد عما كانوا في غنى عنه من تزلف وتملق غالباً ما يفضيان إلى الافتعال والاصطناع والتزييف، إلا في حالات نادرة لا تشوب المجموع.

ولم يحل ارتباط شعراء الزاوية بالتعبير العام، دون انطلاقهم للإعراب عن ذواتهم الخاصة وما تجيش به من عواطف أطلقوا عنانها في مجالات شتى، كان من بينها الغزل الذي غالباً ما صاغوه عفيفاً رقيقاً يفيض تذللاً وصبراً وهياماً وانهمار دموع، وربما مزجوه بالطبيعة التي أدمجوا عواطفهم بها، والتي حثوها على التجاوب أو ربطوا بها من يعشقون. إلا أنه قد يتعدى هذا الخط تحت لوعة الصبابة، ولا سيما عند بعض الشعراء الذين أوصلوه حد المادية الصريحة والإباحية المكشوفة، مأخوذين بفتنة الجمال، ومتخذين له نموذجاً رسموا له صورة متناهية في الدقة والروعة، يسعون بها للاستمتاع الذي لا يتسنى بغير الوصال، مهما كلفهم ذلك أو جعلهم يتحملون.

وقد دل تعبيرهم في هذا الغرض على أن عاطفتهم كانت سوية لا يشوبها المرض والشذوذ، وإن خاطبوا بالمذكر في بعض غزلياتهم. إلا أن هذه الظاهرة لا تعني عندهم غير التعمية وعدم الإفصاح، على غرار ما كان شائعاً عند بعض الشعراء الذين كانوا يقصدون إلى ذلك. على أن بعض هذا الغزل لم يكن إلا رمزاً يعربون به ومن خلاله عما خلفته نكبة الزاوية في نفوسهم من ألم البعد وحسرة الفراق، وعما ترجع به الذكريات من شوق إلى أيامها الزاهية الزاهرة.

بهذا وغيره حافظ شعراء الزاوية الدلائية على طابع الشعر العربي في المغرب، كما انتهى إليهم عبر الحركة الشعرية المزدهرة التي عرفها عصر السعديين، بكل روافدها الشرقية والأندلسية الغنية، بدءاً مما أبدعه شعراء العربية الأقدمون إلى شعراء الفترات المتأخرة، على ما في ذلك كله من تفاوت في القيمة والجودة، سواء على مستوى المضامين أو الأشكال.

وكانوا وهم يحافظون على هذا التراث ويحفظونه من أن يداس أو يهمش في سياق الأحداث الخطيرة التي عاشها المغرب، يغنون مجالات قوله بما يبدعون على صعيد الزاوية من قصائد كانت طوع لسان كل فرد من أبنائها أو المنتمين إليها من الطلبة الوافدين.

وإذا كان الإبداع الشعري للدلائيين يتجلى من حيث المضامين فيما صدر عنهم، معبراً عن ظروف نفسية ومواقف عامة عاشوها وعانوها في تفاعل وتجاوب صادقين، مما أبرز شخصيتهم في هذا الإبداع وميزها في مسيرة الأدب العربي في المغرب، فإنه من حيث الأشكال يتمثل في محاولات لتجاوز القوالب التقليدية وما تعارف الشعراء عليه في مجال البنية، إلى أنماط أخرى كانت تتيح لهم إمكان التجديد، في طليعتها فن التوشيح الذي برزوا فيه ببراعة وتفنن، وكذا التوسل بألوان من الإيقاع ظاهرة وخفية، جاءت منسجمة مع ما جاشت به ضمائرهم وعواطفهم وتاقت نفوسهم للتعبير عنه، في صور شعرية كانت تأتي عفوية منساقة للطبع في بعضها، وتأتي في معظمها خاضعة لصنعة بديعية أتقنوا سبكها في مهارة وفنية قلما أفقدتا التعبير وضوحه وجمال أسلوبه، إلا عند من كانوا يتكلفون ذلك.

أما اللغة فكانت ناصعة وقوية وواضحة، لم يشبها في الغالب ما ينزل بها إلى الضعف أو الغرابة. ولم يكن ذلك بدعاً بالنسبة للدلائيين، وقد انتهى إليهم أمر اللغة في المغرب لهذا العهد، حفظاً وتدريساً وتعبيراً.

بهذا وغيره مما ساهم به الدلائيون في ساحة الشعر العربي بالمغرب، تسنى لهم أن يحافظوا على استمرارية الإبداع حياً وخصباً وغنياً، رغم عوامل التفريق والتمزيق والاضطراب التي شهدتها المرحلة، وتسنى لهم كذلك أن يخلفوا بصمات واضحة ومتميزة أتاحت لمن جاء بعدهم أن يقتفي آثارها ويقيم عليها حركة شعرية متطورة ومزدهرة، هي التي سيحتضنها عصر العلويين.

*** *** ***

وهذا الكتاب القيم الذي بين أيدينا للأستاذ الأخ عبد الجواد السقاط، يعد الدراسة المستفيضة الأولى التي تناولت موضوع الدلائيين في إطاره الشعري، بشكل جامع وشامل لأطرافه المختلفة وجوانبه المتعددة.

وقد انطلق الباحث من مادة غنية جمعها بدقة وعناية، قبل أن ينكب على درسها بمنهج يسرت له أدواته أن يصف ويحلل ويقوم وينقد كذلك، في تغلب على كل الصعوبات والمواطن الشائكة التي تكتنف دراسة مثل هذا الموضوع.

وتعتبر دراسته بذلك حلقة أساسية في سلسلة الدراسات التي ما فتئ طلابنا الباحثون يقدمونها في الموضوعات العديدة التي يطرحها أدبنـا المغربي – قديمه وحديثه ومعاصره – سواء فيما يتعلق بالكشف عن نصوصه وجمعها وتحقيقها، وأحياناً صنع دواوين منها متكاملة ؛ أو فيما يتعلق بدراسة أعلامه وفنونه، ومناقشة بعض ظواهره وقضاياه، مما يساعد على التعرف إلى هذا الأدب والتعريف به، ومن خلالهما الكشف عن أبرز معطياته وأهم ملامحه المميزة له وخصوصياته المتفردة. وهي عناصر أساسية لا شك لاستكمال رؤيتنا لفكر أمتنا وشخصيتها وحقيقة وجودها وما كان لها من دور في التاريخ.

ولعلنا بهذا البحث وأمثاله لم نعد نردد الشكوى، أو بالأحرى خففنا من الشكوى التي اعتدنا تقديمها كلما شعرنا بنقص أو ضعف في ميدان الإبداع أو البحث الأدبي بالمغرب ؛ تشفع لنا في ذلك عشرات الرسائل والأطروحات التي أنجزها وينجزها النابهون من طلبتنا في الجامعة، منذ وفقنا الله في أول السبعين لتأسيس الدراسات العليا في تخصص الأدب المغربي بكلية آداب جامعة محمد بنعبد الله بفاس، ثم بكلية آداب جامعة محمد الخامس بالرباط. وهي بحوث نقدم منها للمناقشة كل سنة عدداً غير قليل. وإنها لخير دليل على الجهود الجبارة المضنية التي تبذل في هذا المضمار، والتي يخوض باحثونا الشبان غمارها بصدق وشجاعة وإيمان بالهدف الذي نسعى إليه، سواء على المدى القريب أو البعيد، وعن علم بأنهم في ذلك يسلكون الطريق الوعر الشاق، غير جاعلين نصب أعينهم مجرد الحصول على الشهادة.

ونشهد بأنهم في سبيل بلوغ ذلك الهدف يتحملون ألواناً من العناء المادي والأدبي، وهو عناء يرجع في طليعة أسبابه إلى الهوة العميقة التي تفصل بين التعليم الجامعي والبحث العلمي، مما جعل هذا البحث لا يقوم إلا على الجهود الفردية، على الرغم من كثرة الأجهزة والمؤسسات الرسمية التي تقام باسمه.

وقد سعدنا بالإشراف على هذه الدراسة ومرافقة صاحبها في جميع المراحل التي قطعها، يحذوه الصبر والجد والمثابرة والرغبة الملحة في الاستفادة والاستزادة ؛ وهو شعور غمرنا كذلك حين عرضناها للمناقشة في غير قليل من الغبطة والاعتزاز. ولا نخفي أن نفس الإحساس يعاودنا اليوم ونحن نقدم للقراء هذا البحث بعد أن أثبتت مميزاته التي سيدركها القراء أنه بحق إضافة علمية غنية للمكتبة العربية عموماً، والمغربية منها على وجه الخصوص.

وإنا لنرجو الله أن يحقق آمالنا فندرك الغاية التي نجد ونجهد من أجلها، ومعنا تجد وتجهد نخبة من العلماء الشبان – من أمثال صاحب هذا البحث – أولئك الذين يتاح لهم بما ينجزون من رسائل وأطروحات أن يتحملوا مسؤولية الدرس والبحث في شتى الجامعات المغربية، كما يتاح لهم بذلك وبما عرف عنهم من همة عالية ونفس طموح أن يساعدوا في حمل المشعل وقطع الأشواط لبلوغ الهدف، مهما كان الطريق إليه طويلاً أو يطول.

وبالله التوفيق.

الرباط فاتح ربيع الثاني 1405هـ

موافق 25 دجنبر 1984م

 

 

 


التأليف ونهضته بالمغرب

في القرن العشرين

من 1900 إلى 1972

 

 

جزآن

 

 

تأليف العلامة المرحوم

عبد الله بن العباس الجراري

 

ضمن منشورات النادي الجراري رقم 1

طبع مكتبة المعارف للنشر والتوزيع

الرباط – الطبعة الأولى

1406هـ - 1985م

ا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

بهذا الكتاب نستهل نشر مؤلفات والدنا رحمه الله، وهي المؤلفات التي لم يتح له أن يقدمها للطبع في حياته الفكرية الحافلة.

وقد ارتأينا أن ينضوي هذا النشر تحت شعار "النادي الجراري"، إحياء لذكرى ناديه الثقافي الذي كان يقيمه في بيته عشية كل جمعة طوال مدة تنيف على نصف قرن، والذي كان يلتقي فيه أصدقاءه وتلاميذه ومحبوه من رجال العلم والأدب والوطنية.

وهو كتاب وضعه للتعريف بحركة التأليف في المغرب من خلال مرحلة عرف فيها التأليف نهضة عبر عنها في العنوان الذي أعطاه إياه. وقد حدد هذه المرحلة بنحو سبعين سنة بدأت مع مستهل القرن العشرين ووقفت عند اثنتين وسبعين ؛ وهو التاريخ الذي أنهى فيه جمع الكتاب على الشكل الذي اعتمدناه وأخرجناه عليه، أي أنه مضى على تأليفه ما يقرب من ثلاثة عشر عاما قبل أن يتسنى نشره. ومعروف أن حركة التأليف نشطت على امتداد هذه السنين التي تعدت العقد، بما لو روجع الكتاب في ضوء ما جد فيها لاحتاج إلى إضافات تتعلق بالأعلام والأعمال يضيق عنها حجمه. بل لقد عرفت حياة المؤلفين المتحدث عنهم ملامح جديدة خلال هذه الفترة، مست نشاطهم العلمي والتأليفي، وربما توقفت بها تلك الحياة بالنسبة لمن توفاهم الله. وهي كلها ظواهر تدعو إلى أن يلحق بالكتاب ما يكمله أو يعدله.

ولا نخفي أن المؤلف نفسه كان يفكر في مراجعة كتابه، ليكون مسايرا لما يطرأ في الموضوع من جديد، لولا أسباب حالت دون ذلك ؛ من بينها اهتماماته العلمية المتعددة، وانشغاله ببحوث أخرى كثيرة كان يسعى إلى إنجازها. ثم إن الأجل لم يمهله حتى ينهي كل ما كان خططه أو أدخله في مشروعاته الكتابية المتنوعة.

أما نحن، فآثرنا أن ننشر العمل كما هو، أي على الصورة التي وضعها المؤلف عليه، دون أي تدخل بالتعديل أو الإضافة ؛ ولو فعلنا لكنا نقوم بعملية تحقيق للنص، وما إلى ذلك أو بعضه نقصد بهذا النشر.

وقد سار المؤلف في كتابه على منهاج اقتضى منه أن يعرف بالنهضة التأليفية من خلال التعريف بالمؤلفين الذي وضع لهم تراجم جاءت في عمومها غير مسهبة، إذ هي في الحقيقة مجرد تقديم يمهد به لاستعراض مؤلفاتهم. وهو استعراض لا يقتصر على ذكر أسماء هذه المؤلفات، ما طبع منها وما هو مخطوط أو غير معروف مصيره، ولكنه يتعدى ذلك في بعض الأحيان إلى التعليق وإبداء الرأي، مع الميل إلى نزعة وطنية تظهر في رؤيته الفكرية، وفي الموقف من التراث المغربي والتأسف على ما ضاع منه أو أهمل، والإعراب عن كثير من الهموم الثقافية الناتجة عن الممارسة والمعاناة.

ثم إنه قسم الكتاب إلى جزءين رتب)1( فيهما المؤلفين، وعددهم مائتان، بادئا بالأحمدين والمحمدين خصص لهم الجزء الأول ؛ وجاعلا بقية الأسماء في الجزء الثاني مرتبة على حروف المعجم. وهذه طريقة معروفة لدا كثير من الذين ألفوا في التراجم، وكان قد سلكها في كتابه "أعلام الفكر المعاصر بالعدوتين: الرباط وسلا".

ولعل من حق المؤلف علينا، ونحن نقدم كتابه للقراء والباحثين، أن نسير على نهجه في التعريف بالمؤلفين، فنشير إلى بعض ملامح حياته وما خلف من إنتاج يتسم بالخصب والغنى والتنوع والتعدد، ويعتبر بذلك معلمة متميزة في "التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين".

وقد كان منتظرا أن يترجم المؤلف لنفسه في الكتاب ويبرز الدور الذي كان لـه في هذه النهضة، إلا أنه لم يفعل ؛ وأغلب الظن أنه كان يرى الاكتفاء بما هو معروف عنه وعن جهاده العلمي، وكذا أعماله الكثيرة، سواء منها التي نشرها أو التي ذكرها في بعض مطبوعاته. على أننا سنوجز القول ونقتصر على الإشارة، إذ فيما كتبناه في "العالم المجاهد عبد الله بن العباس الجراري" (2) ما يكفي – وإن باختصار وتركيز – لإبراز السمات العلمية والوطنية التي تطبع شخصيته.

فقد ولد يوم رابع شعبان عام 1322هـ الموافق سنة 1905م. وما كاد يبلغ الثالثة من عمره، حتى أدخل الكتاب حيث تابع دراسته القرآنية، حفظا وتجويدا ورسما ورواية، على يد جماعة من المقرئين هم امحمد الدغيمر، والحسن الجبلي، والحاج محمد التوروكـي، ومحمد الشياظمي، ومحمد المهدي متجنوش.

وبعد أن أخذ العلوم الأساسية على الفقيه المربي محمد بن التهامي الرغاي، التحق بحلقات العلماء: محمد المدني ابن الحسني، ومحمد بن عبد السلام السايح، وأبي شعيب الدكالي، ومحمد بن العربي العلوي، والتهامي الغربي، وأحمد بن المامون البلغيتي، ومحمج البيضاوي الشنجيطي، وأحمد بن عمر ابن جلون، وعبد الرحمن بن القرشي ؛ مما أتاح له – بالترشيح الحر – أن يحرز على شهادة العالمية من جامعة القرويين عام 1356هـ - 1937م.

ثم إن له من بعض هؤلاء الأشياخ وغيرهم من العلماء الذين عرفوه إجازات علمية أهمها تلك التي كتبها له أبو شعيب الدكالي، ومحمد عبد الحي الكتاني، ومحمد ابن عبد السلام السايح، ومحمد بن عبد السلام الرندة، ومحمد بن أحمد العلوي الزرهوني، وأحمد سكيرج، وأحمد بن عمر ابن جلون، ومحمد بن علي دينية، ومحمد ابن التهامي الرغاي، وأحمد بن عبد النبي، وعبد الحفيظ ابن الطاهر الفاسي، والمكي بربيش، ومحمد الأماني السوسي، ومحمد الصبيحي، ومحمد بن عياد التليدي الشفشاوني.

وعلى الرغم من الطابع التقليدي الذي كان يسيطر على هذا التكوين فإن طموحا وثابا كان يحثه باستمرار لتطوير هذا التكوين وتجديده، بتعاطي عدة فنون، كالجغرافيا والتوقيت والموسيقى ؛ بالإضافة إلى انخراطه في التدريبات التربوية الأولى، وكذا مشاركته في مباريات علمية مختلفة ؛ دون أن ننسى تثقيفه الذاتي المستمر الذي كان مرتبطا عنده بنهم للقراءة والتدوين لا حد له، ومشاركة علمية عميقة متفردة، مع اهتمام خاص بالأدب والتاريخ.

وقد دعي – لنبوغه العلمي المبكر – إلى ممارسة التدريس الذي بدأه بالزاوية المباركية عام 1920م والذي استمر فيه نحو أربع سنوات قبل أن يؤسس مدرسة خاصة هي "المدرسة العباسية"، وكانت يومئذ متطورة في برامجها ومناهجها وأنشطتها التي يكفي لإبرازها ذكر فرقة التمثيل التي كونها من بعض تلاميذها عام 1928م، وكانت تحمل اسم "جوق السعي والفضيلة".

وابتداء من 1932م، التحق بالتعليم الرسمي، فعمل بالمدرسة الصناعية ومدرسة أبناء الأعيان ثم الثانوية اليوسفية، إلى أن دعاه جلالة الملك المغفور له محمد الخامس عام 1939م للعمل إلى جانبه بدار المخزن، حيث كلفه بتفتيش الكتاتيب القرآنية والتعليم الحر وكذا تعليم البنات في عموم المغرب. كما دعاه – طيب الله ثراه – إلى التفتيش بالمعهد المولوي والتدريس به، منذ إنشائه سنة 1942م.

إلا أنه لم يلبث أن أعفي من جميع هذه المهمات التفتيشية إثر نفي جلالة الملك المنعم وأسرته الشريفة يوم 20 غشت 1953م، بسبب مواقفه الصارمة في وجه إدارة الحماية ؛ وهي مواقف بدأت منذ عام 1930م حين تصدى للظهير البربري الذي كان خطيبه وسجينه كما هو معروف في التاريخ. وقد عاد إلى عمله التفتيشي بعد العودة الملكية الميمونة وحصول المغرب على الاستقلال.

وكانت له – إلى جانب وظيفه الرسمي سواء في التعليم أو التفتيش – دروس منتظمة في المساجد لم يتخلف عنها قط، آخرها دروسه بجامع السنة ودار القرآن.

كذلك كان له – بموازاة هذا العمل – نشاط ثقافي بدار الإذاعة لأول تأسيسها، إذ رتل القرآن وألقى الأحاديث والمحاضرات وأجاب على أسئلة المستمعين في الدين والتاريخ. ومثله النشاط الذي برز به في مختلف اللجان التعليمية الملكية، وكذا لجان التأليف والتجويد والمصحف الحسني والمعجم القرآني، وما إليها كالمؤتمرات التي حضر الكثير منها في المغرب والخارج ؛ دون إغفال إسهامات أخرى له، باعتباره عضوا في رابطة العلماء، واتحاد الكتاب، وجمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجمعية هواة الموسيقى الأندلسية، ثم المجلس العلمي للعدوتين.

أما الكتابة فإنه بدأ تجربته الأولى معها في أحضان الحركة السلفية منذ 1926م، واستمر يمارسها تدويناً وتأليفاً وتحريراً في مختلف المجالات المعرفية التي كانت تشكل ثقافته وتثير اهتماماته، إلى آخر يوم من حياته، إذ لقي ربه شهيداً مساء الأربعاء حادي عشر ربيع الثاني 1403هـ موافق سادس وعِشري يناير 1983م.

وقد تسنى له أن ينشر عشرات المقالات والبحوث في مختلف الصحف والمجلات التي عرفتها الفترة، وأن ينشر كذلك بعضا من مؤلفاته التي بقي الكثير منها مخطوطا ؛ علما بأنه خاض معركة الطبع في وقت مبكر، حين لم تكن الوسائل متوافرة ولا متيسرة. وهذه أسماء تلك المؤلفات مرتبة حسب الموضوعات)3(:

 

التجويد:

- كتاب متعة المقرئين في تجويد القرآن المبين (طبع دار النجاح الجديدة بالدار البيضاء 1401هـ -1981م).

- دروس في التجويد (مخطوطة وبعضها مرقون).

- كلمات في العناية بالقرآن وتجويده (بعضها منشور).

التفسير والدراسات القرآنية:

- محاضرات في التفسير (ألقاها بالإذاعة المغربية في شهر رمضان 1378هـ - 1959م).

- محاضرات وكتابات قرآنية (بعضها منشور).

- كتابات حول المصحف (بعضها منشور).

- المعجم القرآني (في نطاق أعمال لجنة ملكية تشرف عليها وزارة التعليم) أنجز منه حروف: التاء والخاء والذال والصاد والضاد والهاء والواو والياء (وهي مرقونة وبحوزة الوزارة).

الحديث واصطلاحه:

- كتابة مطولة حول حديث (من كان يومن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ... ): مخطوطة.

- شرح ألفية السيوطي (يوجد منه كراس بخطه).

الفقه والتشريع والفتاوى:

- القول المحتم في لبس الخاتم (المطبعة الوطنية بالرباط
1350هـ - 1932م).

- نقد النقد لما احتوى عليه الدر المنظم من الحل والعقد (نشر بنفس المطبعة والعام).

- التحسين والحلية في مباحث الشعر واللحية (مخطوط).

- مجموعة فتاوى (تشكل الجزء الأول من كتابه "إطلاع القاري على فتاوى الجراري" المكون من ثلاثة أجزاء، أولها في الأجوبة الفقهية، والثاني في التاريخية، والثالث في متفرقات) وهي مرقونة.

- كتابات في التشريع (بعضها منشور).

- محاضرات وأحاديث دينية (بعضها قدم بالإذاعة).

- دروس في التربية الدينية (بعضها مرقون).

التوحيد والدعوة:

- في العقيدة (بعضها منشور).

- كتابات سلفية (أغلبها منشور).

السيرة النبوية:

- أحاديث ومحاضرات (منها ما نشر وما ألقي بالإذاعة).

- دروس في السيرة (بعضها مرقون).

اجتماعيات:

- ذكريات المومن (نشر المطبعة الوطنية بالرباط 1352هـ - 1933م).

- رمضان في إشراقاته وأنواره، أو رمضان في إشراقاته وعاداته (أحاديث مذاعة وبعضها منشور).

- قصة المولد ومشاهدها أيام الطفولة (مخطوطة).

- أحاديث (بعضها مذاع).

- كتابات اجتماعية مختلفة (معظمها منشور).

التاريخ والحضارة:

- دروس التاريخ المغربي (في خمسة أجزاء طبعت أكثر من مرة في المغرب ولبنان، وكان الجزء الأول منها قد نشر أول مرة عام 1935م).

- كتاب الغاية من رفع الراية (مطبعة الأمنية بالرباط – غشت 1953م).

- صفحة من صفحات الماضي للكتلة وتجليها في المطالبة بالاستقلال سنة 1944 (طبع دار السلمى – الدار البيضاء – مارس 1956م).

- تقدم العرب في العلوم والصناعات وأستاذيتهم لأروبا (نشر بدار الفكر العربي – القاهرة 1381هـ - 1961م).

- شذرات تاريخية من 1900 إلى 1950 (طبع دار النجاح بالبيضاء 1396هـ - 1976م).

- ورقات في أولياء الرباط ومساجده وزواياه (نشر بنفس المطبعة عام 1398هـ - 1978م).

- مواقف الإعجاب بابن السلاطين الأنجاب سمو الأمير مولاي الحسن نابغة الشباب (مؤرخ بعام 1944م وهو مخطوط).

- حياة بطل التحرير محمد الخامس أو: من تاريخ نهضتنا الحديثة (مخطوط وتوجد نسخة منه مرقونة في المكتبة الحسنية بالرباط رقمها 6912))4(.

- محاضرات وأحاديث تاريخية (بعضها ألقي بالإذاعة).

- أجوبة تاريخية (أشير إليها مع فتاويه الفقهية).

- دروس في التاريخ الإسلامي (بعضها مرقون).

- مسائل تاريخية (مخطوطة في دفاتر وأوراق).

تراجم الأعلام :

- من أعلام الفكر المعاصر بالعدوتين: الرباط وسلا (في جزءين صدرا بمطبعة الأمنية – الرباط 1391هـ - 1971م).

- سلسلة شخصيات مغربية: أصدر منها ستة أجزاء طبعها بدار النجاح الجديدة بالدار البيضاء، وهي:

1 - المحدث الحافظ أبو شعيب الدكالي (1396هـ - 1976م).

2 - الحافظ الواعية محمد المدني ابن الحسنى
(1397هـ - 1977م).

3 - شيخ الجماعة العلامة محمد المكي البطاوري
                 
(1398هـ - 1978م).

4 - الشيخ المبدع محمد بن عبد السلام السايح
          (
1399هـ - 1979م).

5 - شيخ الجماعة العلامة أبو إسحاق التادلي الرباطي
(
1400هـ - 1980م).

6 - العلامة الرياضي محمد المهدي متجنوش (1402هـ - 1982م).

- من رجال الثقافة والفكر بالرباط وسلا (مخطوط).

- تراجم وشخصيات مختلفة (بعضها منشور).

- التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين (هذا الكتاب).

- وفيات (مخطوطة).

- اختصار جذوة الاقتباس لابن القاضي (مخطوط).

الرحلة:

- عشرة أيام في مراكش (مخطوطة)(5).

- نزهة الاقتباس من خمسة أيام في فاس أو نتيجة الاقتباس ... (مخطوطة)(6).

- قرة العيون من سبعة أيام في مكناسة الزيتون وجارتها زرهون (مخطوطة).

- الرحلة السطاتية (مخطوطة)(7).

- جولة في وجدة (مخطوطة)(8).

- الرحلة الربيعية إلى عاصمة فاس العلمية (مخطوطة)(9).

- رحلتي الصيفية (مخطوطة).

- ملخص الرحلة الليبية أو موجز ... (مخطوطة).

السيرة الذاتية والمذكرات:

- ذكريات الاعتقال (مخطوطة).

- هذه مذكراتي: في جزءين وقف في الثاني عند 1950 (مرقونة)(10).

تأبينـات:

- مجموعة كبيرة من الكلمات ألقيت في مناسباتها (بعضها مرقون).

عرشيات وذكريات وطنية:

- مجموعة كبيرة من الكلمات (بعضها منشور).

الشعــر:

- مجموعة معظمها في الإخوانيات (مخطوطة).

المسرح:

- تمثيلية (تحت راية العلم والجهاد) كان أحرز بها على جائزة قدماء الثانوية الإدريسية عام 1348هـ (مخطوطة).

- تمثيلية (نحو الكمال): مخطوطة.

كتابات أدبية:

- من مختار الشعر المغربي المعاصر (جمع منه جزءا واحدا وهو مرقون)(11).

- المجالس الأدبية (مخطوطة)(12).

- روض المقالة أو سوانح القلم (انتخب فيه مجموعة من مقالاته وبحوثه) وهي مجلدات ثلاثة مخطوطة، وكان بصدد جمع الرابع.

- دراسات (بعضها منشور).

- تعاليق على شرح قافية ابن الونان للفقيه محمد السايح (يوجد منه كراس مخطوط).

الموسيقى:

- الآلة – الموسيقى – عبر التاريخ (مرقون).

- الموسيقى والشباب (طبع بدار النجاح الجديدة الدار البيضاء
1396هـ-1976م).

خـطـب:

- خطب منبرية جمعية (مخطوطة).

- خطب بمناسبات مختلفة (مخطوطة).

رسائل:

- مجموعة كبيرة ومتنوعة.

اللغة والنحو:

- ختم على الأجرومية (أملاه عام 1342هـ وهو مخطوط).

- ختم على ألفية ابن مالك (أملاه عام 1349هـ وهو مخطوط).

- كتابة على ألفية ابن مالك (مخطوطة في كراس، وقد ركز فيها على الأبيات الأربعة الأخيرة).

- مقالات وبحوث مختلفة (معظمها منشور).

التربية والتعليم:

- كتابات متعددة (معظمها منشور).

تقاييد مختلفة:

- كناشات ومحافظ وبطاقات.

كتب مدرسية:

- ألفت (بالاشتراك مع الغير) نشرتها مكتبة الوحدة العربية بالدار البيضاء:

·  تاريخ المغرب.

·  كتاب التربية الإسلامية.

·  القراءة الجديدة.

هذه هي عناوين مؤلفات والدنا طيب الله ثراه، وهي تعكس إنتاجا غزيرا يعد بحق رافدا هائلا يغني "التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين". وإننا – إذ ننشر منه اليوم هذا الكتاب بمناسبة الذكرى الثالثة لوفاته – نرجو أن يسد بعض الفراغ الذي يعانيه موضوعه الحيوي وما له من أهمية في مجال الدراسات البيبليوغرافية خاصة، والمغربية على وجه العموم ؛ وندعو العلي القدير أن يجعل لمؤلفه من الرحمة والثواب بقدر ما ستكون له من فائدة عامة، وما سيحظى به من رضى القراء والباحثين، وأن يوتيه من لدنه أجرا عظيما جزاء ما قدم لأمته من أعمال جليلة، وما بذل من تضحيات في ميدان الجهاد العلمي والوطني بصدق وإخلاص ؛ إنه سميع مجيب.

الرباط (الهرهورة) في 11 ربيع الثاني 1406هـ

الموافق 2 دجنبر 1985م



(1) قد يلاحظ بعض الاضطراب في الترتيب، وهو ناتج عن التصفيف المطبعي لمادة الكتاب، مما صعب تفاديه.

(2) نشر ضمن سلسلة (شخصيات مغربية) الحلقة السابعة – الطبعة الأولى – الدار البيضاء
1405 هـ - 1985م.

(3)لمزيد من التفاصيل، يمكن الرجوع إلى المصدر السابق (فصل : إنتاجه العلمي).

(4)  بصدد الطبع لنشره في القريب إن شاء الله.

(5)  طبع بعد كتابة هذه المقدمة بتحقيق الدكتور عبد المجيد بنجيلالي.

(6)  معدة للنشر بعناية الدكتور بنجيلالي.

(7)  طبعت بتحقيق الدكتور مصطفى الجوهري.

(8)  معدة للطبع بعناية الدكتور بنجيلالي.

(9)  معدة للطبع بعنايته كذلك.

(10) حققت في إطار أطروحة جامعية أنجزها الدكتور مصطفى الجوهري لنيل دكتوراه الدولة.

(11)  حققه الدكتور المرحوم سعيد الفاضلي في إطار رسالة جامعية نال بها دبلوم الدراسات العيا.

(12) حققتها الأستاذة المرحومة عائشة النواير في إطار رسالة جامعية نالت بها دبلوم الدراسات 
  العليا.

 

                                                             

 

 

 

 

 



 

 

 


شـعـر

عبد العزيز الفشتالي

 

 

 

 

 

جمع وتحقيق ودراسة

الدكتورة نجاة المريني

 

 

 

 

مكتبة المعارف للنشر والتوزيع

1986

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

منذ نظمت الدارسات العليا في الجامعة المغربية، أي منذ نحو عقد ونصف من السنين، عرف البحث العلمي في الأدب العربي – وخاصة ما يتعلق منه بالإبداع المغربي – تطوراً ملحوظاً، واتساعاً متزايداً، وإقبالاً قل نظيره في شعب التخصص الأخرى.

وقد نشط هذا البحث في اتجاه الدراسات التي تعنى بموضوعات تمس قديم الأدب وحديثه ومعاصره، وربما عنيت في بعضها بالتعبير الشفوي وما إليه مما يشمله التراث الشعبي، وكذا في اتجاه تحقيق النصوص المخطوطة، باستخراجها وقراءتها والمقابلة بين نسخها والتعليق عليها، مع تقديم دراسة تمهد لها ولو قصرت. بل إن البحث نشط كذلك في ميدان متصل بالتحقيق يبدو أكثر صعوبة من سابقه، وهو صنع النص حين يكون ضائعاً أو مشتتاً أو لم يسبق جمعه، إذ يسعى الباحث إلى لم أطرافه ووضع لبنة فيه إلى جانب أخرى، في حرص على أن يجعل منه بناء تاماً وكاملاً، على غرار ما قام به أولئك الذين رووا أشعاراً عربية ووضعوا لها دواوين، من أمثال عبد الملك الأصمعي والمفضل الضبي وأبي سعيد السكري والأعلم الشنتمري.

ولعل أحداً لا ينكر الأهمية القصوى التي يكتسبها صنع النصوص وتحقيقها، وما يترتب عن ذلك من إبراز كشف جديد، هو من دون شك إضافة حقيقية تغني التراث الأدبي بما يزيد في معرفته والتعرف إليه. ولعل أحداً لا ينكر كذلك الفائدة الجلي التي يكتسبها الباحث الذي يخوض غمار هذا النوع من الدرس. وهي فائدة تتجلى في الرجوع إلى المصادر المختلفة مهما كانت كبيرة أو صغيرة، معروفة أو مجهولة، بل مهما كانت تلك المصادر مجرد تقاييد أو خروم، طالما أنها مظنة للعثور على نص أو جزء منه، وإن يكن ناقصاً أو مبتوراً. وتتجلى الفائدة أيضاً في عملية إعادة بناء النص وتشكيله من لبنات تلتقط هنا وهناك، كما لو كان الأمر يتعلق بتمثال مكسور تناثرت أجزاءه فضاع بعضها، وبقي البعض الآخر مبعثراً ليس من اليسير الاهتداء إليه، وإن اهتدي إليه فليس من السهل التقاطه، فضلاً عن ربطه مع غيره وضمه إليه وإلحامه معه.

وهذه لا ريب فائدة لا تخلو معاناة الحصول عليها من متعة ذهنية متميزة، لا يحسها أو يدركها إلا الذين مارسوا التجربة في هذا المضمار الوعر الدقيق. ثم ياتي بعد ذلك كل ما يستفيده من يقرأ النصوص القديمة ويقابل بينها، ويشرح غوامضها، ويعلق على ما تحتويه من إشارات غالباً ما تكون متعددة ومتنوعة، مع ما تقتضيه هذه العملية المعقدة من صبر وأناة وتثبت وأمانة.

*** *** ***

إلى هذا النمط من البحث تنتمي الرسالة التي يسعدني اليوم تقديمها، كما أسعدني من قبل الإشراف عليها وتوجيه العمل فيها، والتي أنجزتها الأستاذة الفاضلة نجاة المريني عن: "عبد العزيز الفشتالي: شعره -جمع وتحقيق ودراسة". فقد كان هذا الشعر في حاجة ماسة إلى أن يضم في ديوان ويدرس. وهو عمل لم يكن خوض غماره بالأمر السهل، فإن أحداً لم يجمع للفشتالي إنتاجه الشعري، وهو نفسه لم يهتم بجمعه، وإن اهتم من هذا الإنتاج بما هو متصل بممدوحه المنصور وما كان ينشد في مجلسه وفي المناسبات الرسمية، فضمنه كتاب "مناهل الصفا" ؛ ويعتبر أهم مصدر لشعر الفشتالي، بل أقرب مصدر إليه، باعتبار الشاعر مؤلفه ؛ وإن كنا نعتقد أن ما أورده المقري في "روضة الآس" يفوق ما ساقه الفشتالي في "المناهل". ولا يقل أهمية عنه ما ذكره له المقري كذلك في "نفح الطيب"، وابن القاضي في "المنتقى المقصور"، وكذا ما جاء به اليفرني في "نزهة الحادي"، وغيره من المؤرخين الذين كان اعتمادهم في الغالب على ما كتبه الفشتالي نفسه ؛ دون التحدث عن بعض الكناشات، وخاصة منها كناشة الزجالي.

من هذه المصادر وغيرها جمعت الباحثة شعر الفشتالي لتصنع له ديواناً رتبت قصائده على حروف المعجم، ثم عالجتها بالتحقيق الذي اقتضى منها مقابلة النصوص ومقارنتها وتتبع ما بينها من فروق واختلافات، مما أتاح لهذه النصوص تخريجاً جيداً زانه ما ذيلت به القصائد من هوامش عرفت فيها بالأعلام، وشرحت ما هو صعب وغامض، وخرجت الاستشهادات والاقتباسات والتضمينات، ووضحت الإشارات المختلفة – وما أكثرها في سياق الدين والسياسة والتاريخ – مع ما تتطلبه الدقة العلمية في كل ذلك من ضبط وإحالة على المصادر والمراجع اللازمة.

على أن الدارسة لم تكتف بجمع الديوان وتحقيقه، ولكنها زادت على ذلك عملاً آخر مهدت به لشعر الفشتالي، إذ كتبت دراسة قسمتها إلى فصول ومباحث عرفت فيها بعصر الشاعر وحياته وآثاره، مع التركيز على شخصيته وشاعريته.

والحق أن الفشتالي كان في أمس الحاجة إلى من يلتفت إلى إنتاجه الشعري يجمعه ويدرسه، فهو علَم في عصره متفرد عمن نبغوا فيه، بكونه أحد كتاب المنصور وربما أبرزهم، ولأنه شغل في هذا العهد الذهبي منصب مؤرخ الدولة. ثم هو – قبل ذلك وبعد – شاعر له مكانته المتميزة بين معاصريه وغيرهم. ففي إبداعه الشعري رقة وعذوبة وصفاء مفعم بروح صوفي صادق ؛ وهو في هذا الإبداع متمكن وماسك بناصية القول، ومتحكم في تجربته يصوغها بقدرة ذهنية صهرت محتويات تلك التجربة في سبك محكم جميل.

ويكفي الفشتالي مكانة في عالم الشعر – والمغربي منه خاصة – أنه أعطى للمديح من خلال مولدياته كياناً يظهر في البناء الذي أقام عليه قصائده النبوية، وأنه كان شاعراً ميالاً إلى التجديد بما أبدعه من موشحات هي من أكبر الأدلة على أن المغاربة برزوا في فنها وطوعوه لمختلف الأغراض. بل إن عنايته بالتوشيح تعدت التعبير به إلى التأريخ له وجمع إنتاج المغاربة فيه، إذ ألف في ذلك "مدد الجيش" تذييلاً على "جيش التوشيح" الذي أهمل فيه ابن الخطيب ذكر الوشاحين المغاربة. وفيه – أي في "المدد" – أورد الفشتالي لأهل عصره أزيد من ثلاثمائة موشح، على حد قول المقري في "النفح". إلا أن الكتاب – على أهميته – ضائع أو في حكم الضائع، وإن ذكر البحاثة المرحوم عبد السلام بن سودة في "دليل المؤرخ" أنه كان موجوداً في أوائل هذا القرن بخزانة القرويين ؛ علماً بأنه توجد في المكتبة الناصرية بسلا أوراق يظن أنها منه، وكان أطلعني عليها المؤرخ الأديب جعفر الناصري رحمه الله. وهي تضم إحدى عشرة موشحة، اثنتان منها منسوبتان لشعراء مغاربة، إحداهما للوزير أبي القاسم الغساني في مدح المنصور، مطلعها:

نار الغرام *-* يحمي حما قلب *-* بحمى غب

وهي واردة في "روضة الآس" مع بعض الاختلاف. والثانية للفشتالي، وفي مطلعها بعض البتر، ولا نعلم ورودها في أي مصدر آخر، وفي أولها يقول:

سبَـج الهـم حيثمـا حـلا  -*-  بالطُّلـــــى يُنتَـخ

فارتشـف من حَبابهـا درا  -*-  فيــــه... ســدخ

قهوة زفها الهوى بكرا -*-  دانها خدرها

سبكت في أكوابها تبرا -*-  نارهـا نورهـا

وجرت قواريرها تترى -*-  بررت شقرها

*** *** ***

بهذا وغيره مما تناولته الباحثة، يتبين الموقع البارز الذي يحتله الفشتالي في ساحة الإبداع الشعري، ومعه يتبين كذلك موقع هذه الدراسة بين الدراسات العديدة التي وجهت وأوجه العمل فيها، والتي تتسم في مجموعها بالتكامل الساعي إلى معرفة أدبنا، بالكشف عن أعلامه وفنونه، ومن خلال ظواهره وقضاياه، وعلى امتداد تعاقب مراحله وفترات نموه وتطوره.

وهو هدف نبيل، وإن لم يكن سهل المنال، لما يحف به من عوائق وعراقيل كثيراً ما فتت في عضد بعض الراغبين الذين استسلموا أمامها بعد أن حاولوا، وربما قبل أن يجربوا أو تكون لهم أدنى محاولة.

وإن مما يبعث على الارتياح والاطمئنان ويحث على الغبطة والابتهاج، أن يقترن سعي الباحثين من طلابنا بطموح وثاب، وهمة عالية، وتطلع إلى تحقيق الكثير، في إيمان بالذات كبير، ورغبة في الاستزادة دون حدود.

وتشترك الطالبة في ذلك مع زميلها، وتتنافس وإياه في ميادين المعرفة والبحث، بشجاعة وإقدام، غير قانعة باليسير كما قد يتوهم. وأذكر أن صديقاً لي من العلماء المعتنين والكتاب المرموقين صادف في أحد مجالسي طالبة جاءت تستفسر عن بعض ما يتعلق بموضوع دراسة تهيئها، له صلة بالتراث، فلم يخف إشفاقه عليها من مثل هذا النوع من البحث الذي يتطلب الرجوع إلى الوثائق والمخطوطات، وربما التنقيب في الخروم ونفض الغبار عن الأوراق المبعثرة. إلا أنها أبدت استغراباً من هذا الإشفاق، وأعربت بثقة في النفس عن إرادتها أن تتناول ذلك الموضوع بكل ما يقتضيه.

ومن مركز المسؤولية العلمية في تخصص الدراسات العليا المغربية، أشهد أن باحثات كثيرات أنجزن وينجزن رسائل وأطروحات أهلت البعض منهن للتدريس بالكليات، مما يعد للجامعة بل للجامعات المغربية في صحائف المفاخر بلا شك.

وإن الباحثة الموقرة – مؤلفة هذا الكتاب عن الفشتالي وشعره – لتقف في صف الطليعة إلى جانب رفيقات لها ينهضن مثلها برسالة البحث والتدريس والتأطير. وهي رسالة جامعية غير هينة ولا يسيرة، وهن في أدائها موفقات، طالما أنهن يتحملنها بجد واجتهاد وضمير حي.

وإني لذلك أشعر بشيء غير قليل من السرور والاعتزاز، وهو إحساس يغمرني وأنا أكتب هذه الكلمة أقدم بها كتاب الأخت نجاة – وهو باكورة بحوثها – آملاً أن تعم فائدته الطلبة والدارسين وعموم القراء، وداعياً لصاحبته بمزيد السداد واطراد النجاح.

وبالله التوفيق.

الرباط (الهرهورة)

18 ربيع الثانـي 1406هـ

الموافق 31 دجنبر 1985م



 

 

 


فن المقامة بالمغرب

في العصر العلوي

 

 

 

 

 

دراسة ونصوص

للدكتور محمد السولامي

 

 

 

 

 

مطابع منشورات عـكـاظ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

مازال البحث في الأدب المغربي يتتابع ويتوالى متكامل الجوانب موصول الحلقات، حتى مس مختلف أجناس تعبير هذا الأدب وأنماط تشكيله، لا فرق فيها بين القديم والحديث أو بين المدرسي والشعبي، يقبل الدارسون على مختلف موضوعاتها في حماس شديد يتجاوزون به كل العوائق والصعوبات التي يعانون مواجهتها بصبر كبير، ولا سيما ما يتعلق منها بالنصوص التي غالباً ما يكون غياب جلها أو بعضها بالنسبة لموضوع ما سبباً في التراجع عنه والتخلي، خشية الوقوع في التسرع والتهافت.

وإن هذا البحث الذي أسعد اليوم بتقديمه بعد أن سعدت بالإشراف على إنجازه، لَيُعدُّ في طليعة البحوث التي تشكل حلقات أدبنا وتوصل ما بينها، ليبرز هذا الأدب تام الأجزاء منسق الملامح.

وهو – إذ يدرس المقامات المغربية في العصر العلوي ويجمع نصوصها – لا يخلو من صعوبة في حقيقته، على الرغم من السهولة التي يوهم بها ظاهره. وهو يبدو سهلاً بحكم طبيعة الفن الذي يتناوله ومحدودية الفترة التي التزم بها ؛ ولكنه مع ذلك صعب لعدم توافر النصوص التي ضاع بعضها وتبعثر البعض الآخر، وكذا لقلة المراجع الدراسية أو انعدامها بالمرة، أعني تلك التي ارتادت هذا المجال من البحث وسبقت إليه.

وهذا ما يجعل الموضوع في صيغته الريادية يثير تساؤلات أولية تنصب على قضايا ثلاثة:

الأولى : معرفة المغاربة بالمقامات وما كان لهم بها من عناية.

الثانية : كتابتهم في هذا الفن.

الثالثة : مستوى هذه الكتابة ومدى إبداعهم فيها.

وإذا كان قد شاع عن علماء المغرب المتأخرين عدم الاعتناء بالمقامات، إلى حد القول بحرمة تدريسها في حلقات المساجد والزوايا، لما قد تتضمنه من هزل ومجون، فإن هذا الموقف – على ما يبدو – جاء مرتبطاً بفترة تقلص الآفاق الثقافية والعلمية وجمود البرامج والمقررات الدراسية. وإنه ليكفي للدلالة على غير هذا الموقف في مراحل أخرى ما نقلته الوثائق وأخبار التاريخ بدءاً من القرن السادس الهجري عن تدريس المقامات
– والحريرية منها خاصة – بجامع القرويين وغيره، وكتابة شروح عليها. بل إن مما يدل على أن هذا الفن كان معروفاً ومتداولاً بين العلماء والطلاب حتى في البيئات التي يظن أنها بعيدة عن مراكز الثقافة التقليدية، ما حدث لليوسي مع شيخ الزاوية الدلائية أبي عبد الله محمد بن محمد المرابط، لأول قدومه إليها من رحلة في طلب العلم بالجبل والبادية، حول عبارة "القطائف اللطائف" التي استعملها في تقريظ مجموع خطب وعظية للشيخ، واعتراض هذا الأخير على التعبير بها لأنها لا تعني في مفهومه سوى المفروشات المعتادة ؛ إلا أن الطالب الوافد أبرز صحة الاستعمال اللغوي والأدبي للفظة، باعتبارها "جمع قطيفة بمعنى مقطوفة"، محتجاً بقول الحريري في مقاماته:

  فلا تعذلوني بعد ما قد شرحته

                     على أن منعتم في اقتطاف القطائف

وقد تجاوزت عناية المغاربة بهذا الفن مجال التدريس والشرح إلى الكتابة على نمطها، كما فعل مالك بن المرحل وعبد العزيز الملزوزي في القرن السابع، وعبد المهيمن الحضرمي في العصر الذي يليه، وآخرون فيما بعد سبقوا المرحلة التي حددتها الدراسة.

أما كيف هي هذه الكتابة ؟ أي مدى إبداعيتها وما لها من خصائص مميزة، فإنه يبدو أن المغاربة تعاملوا مع المقامات دون انضباط صارم بمقاييسها المعروفة والمقننة، إلى حد التداخل الفني عندهم بين الرسالة والمناظرة والمحاورة وحتى المقالة، مما قد يعتبر خلطاً يعزى إلى انعدام تصور نظري واضح ومحدد، ولكنه – فيما أرى – لا يعدو أن يكون مرونة في فهم الفن. وهو ما يتضح مثلاً من الحكاية الخيالية التي صاغها محمد بوجندار متوسلاً بتعابير منمقة ومقتطفات أدبية.

ثم إن كتاب المقامات وسعوا دائرة موضوعاتها، في تركيز على الوصف وعناية بالشعر وإلحاح على إبراز اللون المحلي، وهي ملامح يكشف عنها مثلاً ما كتبه المسناوي عن الزاوية الدلائية، وحمدون بن الحاج عن المولى سليمان ومجلس الشاي والمقامة التطوانية، وكذا ما كتبه عبد القادر بن شقرون في مقامته الطنجية، ومحمد غريط في وصف مكناس.

بكل هذه الجوانب وغيرها مما لا تتسع كلمة التقديم لاستعراضه، عنيت الرسالة، في محاولة جادة لإبراز مساهمة المغاربة في إنشاء المقامات، من خلال تكامل بين عملين جليلين.

أولهما: جمع نصوص المقامات.

ثانيهما: دراسة هذه النصوص.

وإذا كانت طبيعة البحث قد فرضت على صاحبه أن يوزع الجهد بين هذين المجالين – على أهمية كل واحد منهما وصعوبته – فإنها أتاحت له فرص التنقيب الدقيق والاطلاع المستفيض والقراءة المستوعبة، في الوقت الذي مكنته من تجريب التحقيق المضبوط والتحليل العميق، مع كل ما يقتضيه ذلك من تجلد وأناة وتثبت، وما يتطلبه من نفس طويل لا يتقطع ولا يضيق.

من هنا تتجلى قيمة هذه الرسالة الجامعية التي رسمت الخطوط الأولى ووضعت اللبنات الأساسية لموضوع بكر وكبير، محددة له أهم عناصره ومميزاته. ثم إنها جعلت الباحث السيد محمد السولامي يدخل ميدان الدراسات المغربية من بابه الواسع، إثر معاشرة ومواكبة أفضتا به إلى التمرس بأدب لا إمكان لإدراك حقيقة مضامينه وأساليبه بدون هذا التمرس.

يضاف إلى ذلك أن الدارس اكتسب خبرة منهجية حين توسل بأدوات جديدة وأجرى مقاييس بنيوية وجدها مسعفة له في التعامل مع النص وتحليل مستوياته التركيبية، وإن كنت لا أخفي أني لم أكن معه على اتفاق تام في بعض ما وظفه من هذا المنهج.

وإن من واجبي – بل من حق الباحث عليَّ – أن أشهد له بالتوفيق الذي حالفه في هذه الدراسة المضنية التي أبانت عن قدراته ومؤهلاته، والتي جاءت في الحقيقة منسجمة مع طبيعة شخصيته المتزنة الهادئة.

ويكفي الأستاذ محمد السولامي أنه أنجز هذا البحث الجيد، وأنه يُعَدُّ به في الباحثين المرموقين، وأنه بذلك يبشر بمزيد من العطاء، والله ولي العون والسداد.

الرباط 20 ربيع الثاني 1409هـ / فاتح دسمبر 1988م

 

 

 

سلسلة منطقة إقليم تادلة وبني ملال

الكتاب الثاني

 

 

 

من تاريخ منطقة

إقليم تادلة وبني ملال

 

 

للأستاذ مصطفى عربوش

 

 

مكتبة الطالب – بني ملال

الطبعة الأولى

أبريل 1989

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

يتميز المغرب بتنوع بيئاته وتعدد أقاليمه وكثرة حواضره وامتداد بواديه. وهو يكتسب بذلك غنى على صعيد المناخ والطبيعة والإنتاج، وكذا على مستوى الحضارة والثقافة والتاريخ، تنعم به جميع أطرافه ونواحيه، لا يتفرد بعضها عن البعض الآخر إلا بما يتسم به من ملامح ومعالم، وما له من دور فعال في مرحلة زمنية ما أتيح له فيها أن يضطلع بهذا الدور وينهض به.

ومن ثم كان التعرف إلى المغرب في شتى حقائقه، رهيناً بمدى معرفة ما لمختلف مناطقه ومراكزه القريبة والبعيدة من وجود في كافة المجالات والميادين، وما لها من إيجابيات أسدتها لنفسها وأفادت بها المجموع.

وعلى الرغم من أن جهوداً غير قليلة بذلت وتبذل في هذا السياق الإقليمي الهادف إلى إرفاد الوطن، فإن كثيراً من الأطراف ما زالت بكراً لم يقتحمها الدارسون، ما أحوجها إلى من يعرف بها، ولا سيما من المنتمين إليها، لأنهم أقرب من غيرهم إليها وإلى سكانها وتراثها، وأقدر على إدراك واقعها وفهم حركة تطورها.

من هنا كانت قيمة هذه الكتابة المستفيضة التي أنجزها عن بني ملال الأستاذ الباحث الأخ مصطفى عربوش، وهو من أبناء هذا الإقليم المنتسبين إليه. وفيها حاول أن يلم بجميع الجوانب التي يقتضيها إعطاء صورة متكاملة عن هذه المنطقة المشهورة بغناها الخصيب وجمالها الساحر، في تركيز على المعالم الطبيعية والمعلومات التاريخية والظواهر الاجتماعية وما يرتبط بها من تراث شعبي سجل بعض أنواعه وأنماطه.

ولعلي في هذه الدراسة أو ما يماثلها مما يدخل في المضمار الإقليمي أن أنبه إلى أمرين:

الأول: ضرورة البحث عن مكامن الخصوصيات المحلية لإبرازها، ومن خلالها    استخلاص المميزات التي ينفرد بها الإقليم وما قد يكون له من إضافة.

الثاني: عدم الانسياق – في محاولة إبراز هذه الخصوصيات – وراء الظن بأن كل ما يتوافر عليه الإقليم هو من قبيل ما يتميز به عن غيره، لأن الكثير من ذلك   غالباً ما يكون مشتركاً ومتشابهاً مع ما هو موجود في غيره مما يؤكد منظور الشمولية ويقوي أواصر الوحدة.

وقد بذل المؤلف في هذا الصدد جهداً مضنياً لا شك في أنه تطلب منه زمناً طويلاً استغرقه البحث والتنقيب والاستطلاع، وإن كنت آخذ عليه بعض التقصير في الكشف عن الجانب العلمي والأدبي ؛ ولعله احتفظ به لسفر ثان أو أسفار أخرى، ولا سيما لرسالته الجامعية التي يحضرها بإشرافي عن زاوية الصومعة ببني ملال ومؤسسها أبي العباس أحمد بن أبي القاسم الصومعي، وكأنه أراد من كتابه أن يضع تعريفاً ميسراً يتداوله الجمهور، وأن يجعله في نفس الوقت كمقدمة لبحثه الجامعي أو غيره من الدراسات التي آمل أن ينجزها، وقد وعد ببعض ذلك.

ولست أخفي – وأنا أقدم هذا السفر – ما يغمرني من مشاعر البهجة والسعادة، لأنه سيملأ فراغاً هائلاً تعانيه المكتبة المغربية، ولأنه بحق إضافة غنية سيفيد منها الدارسون وعموم القراء.

وإني لأهنئه على هذه الباكورة الجيدة، وأحثه على مزيد من الإنتاج لمتابعة ما بدأه، وأدعو له بالعون والتوفيق والسداد.

الرباط 10 جمادى الثانية 1409هـ

الموافـق 18 ينايـر 1989م



 

 

 


من الأدب المغربي

على عهد الحماية

 

 

محمد بوجندار الشاعـر الكاتـب

 

 

للدكتور محمد احميدة

 

 

 

 

منشورات عكاظ

1993

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

إذا كانت إيجابيات أي منهج دراسي تقاس بما يتوخاه من أهداف يحققها كـلا أو بعضاً، فإن التوجه المنهجي الذي سلكناه ودعونا إليه أفضى – وما زال – إلى بلوغ جملة من الغايات يسعى إليها، انطلاقاً من الإطار الإقليمي الذي اخترناه له، والذي يتسع تارة ويضيق أخرى. فهو إذا كان يتناول بعض الظواهر والقضايا العامة من خلال رؤية تستقطب المغرب كله، فإنه في عرض موضوعات جزئية غير قليلة يلتزم البقاء داخل مجال ضيق محدود تفرضه طبيعة هذه الموضوعات، في ارتباطها بواقع يتسم بالتنوع والتعدد، مما لا إمكان لفهمه وإدراكه إلا بالتتبع التفصيلي الذي ينتهي إلى لم الشتات بقصد تجميع الملامح وتشكيل الكيان الواحد المتكامل.

في نطاق هذا التصور توضع هذه الدراسة القيمة التي سعدت بالإشراف عليها، والتي أنجزها الباحث السيد محمد احميدة، عن شخصية كان لها ظهور أدبي في مدينة الرباط، على مدى سنوات الربع الأول من القرن العشرين. إنها شخصية محمد بوجندار الذي كانت له مساهمات مبكرة أغنى بها عدة ميادين فكرية وتعبيرية، بدءاً من كتابة التاريخ إلى إبداع الشعر وغيره من فنون القول.

وعلى الرغم من أن الإنتاج الجنداري لم يتعرض للضياع الذي عرفه كثير غيره مما صدر عن المغاربة، لأن معظمه طبع في حياته أو نشر في جريدة "السعادة" التي كانت لها – مع كونها لسان حال الحماية – عناية بالعطاآت الثقافية في شتى الألوان والأنماط، فإنه عانى شيئا من الإهمال، بسبب الموقف الذي اتخذ من مؤلفه، وهو يعمل موظفاً في الإقامة العامة الفرنسية مكلفاً بالتحرير العربي في مكتب المقيم نفسه.

وإذا كان التوجه الوطني قد أدان مثل هذا الموقع ورمى من يحتله بالخيانة، فإن فئة من خلان الأدب تضم موظفين سامين وذوي مصالح خاصة مع الإدارة، كانت تلتقي فيه وتلتف حول صاحبه، في شكل ناد ثقافي تميز بما كان يلقى فيه من مطارحات ومساجلات، هي – على طغيان الطابع الإخواني عليها – تعطي جزءاً من الصورة التي كان عليها التعبير الأدبي يومئذ.

وقد أثار هذا الوضع إشكالاً جوهرياً أوقع الدارس في الحيرة والاضطراب، وكاد أن ينتهي به إلى التخلي عن موضوعه، لولا ما اتسم به من أناة واتزان، والتزام بموضوعية يضبطها رأي علمي سديد، ومنظور منهجي قويم، مما جعله في النهاية يتحكم في دراسته، قادراً على تناول جانب الكتابة والشعر عند أبي جندار، في سياق ظروفه المباشرة وملابساتها الخاصة، مبرزاً ما في هذا الجانب من عناصر إيجابية، غير مركز على ما شابه من إشادة بالاستعمار ومدح لرجاله وأعوانه. على أني لا أستبعد الاهتمام في وقت لاحق بمثل هذه الشوائب التي صدرت عن بوجندار ومن إليه، لما تتضمنه من معطيات لا تخلو من فائدة في بلورة بعض حقائق الفترة وإدراك ما لها من خلفيات قد تكشف ملامح – ولو منكسرة – من الصورة التي كان عليها المغرب يومئذ.

ومن ثم جاء هذا البحث يقدم تعريفاً لأحد أعلام الرباط، ويلقي عبره أضواء على واقع الفكر والأدب في مرحلة كان المغرب أثناءها يشهد بداية تحرك عام للنهوض. وجاء بذلك أنموذجاً يمكن احتذاؤه في تناول شخصيات أخرى مماثلة كان لها دور في الحياة العلمية والأدبية على صعيد حاضرة معينة أو على مستوى أوسع يحتضن الوطن كله، لولا أنها أساءت إليه باختيار الانحياز لأعداء البلاد، وجعلت التيار العام – بدفع تلقائي من الوازع الوطني العارم – يعمل على طمس هذا الدور ونسيانه حين يمكن ذلك، أو على نبذه وإلغائه حين تكون قائمة له معالم ليس من السهل تهميشها أو محو ما لها من آثار.

لهذا وغيره مما تتميز به هذه الرسالة القيمة الجيدة، أود الإعراب عن عظيم تقديري للجهد المبذول فيها، وكبير اعتزازي بمؤلفها الأستاذ الأخ السيد محمد احميدة الذي برهن بهذا العمل الجاد عن مدى ما يتوافر له من إمكانات ومؤهلات تبوئه مكاناً مرموقاً في حقل البحث العلمي الرصين، مبشرة بما سينتجه من دراسات غدا مهيئاً لها بتوفيق من الله وسداد.

الرباط، محرم 1413هـ/يوليوز 1992م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


عبد الله بن العباس الجراري

الأديـب

 

             ­ مكونات الشخصية والثقافة

   ­ الإبداع والكتابة الأدبية

 

 

للدكتور مصطفى الجوهري

 

 

 

 

منشورات النادي الجراري رقم 4

الهلال العربية للطباعة والنشر

1995

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

منذ أن تأسس السلك العالي بالجامعة المغربية في نظامه الجديد، وعلى مدى ربع قرن بالضبط، سعينا جاهدين إلى إرساء دعائم قوية ثابتة لدرس الأدب العربي في المغرب، والنهوض بالبحث العلمي في مختلف مجالات هذا الدرس وشتى آفاقه.

ومن ثم عملنا على تشجيع دارسيه من الشبان المؤهلين لاجتياز مرحلتي الدبلوم والدكتوراه، ورعايتهم ليس فقط بالإشراف وما يقتضي من تتبع وتوجيه، ولكن باحتضانهم كذلك داخل أسرة هي مع اتساع شعابها وشساعة رحابها تلم الشمل وتقرب الرؤى، على ما في هذه الرؤى من تنوع غني وتعدد خصيب. ولعل المنهج الذي دعونا إليه وما نزال، كان – في روحه وإطاره وإن تباينت مفرداته وأدواته – محور هذا اللم والتقريب، وأكاد أقول هذا الاستقطاب.

وإنه ليكفي إلقاء نظر ولو عابر على الرسائل والأطاريح التي أنجزت في هذا المضمار، وتأمل موضوعاتها والقضايا التي أثارتها، ليتبين أنها على كثرتها التي تغني عن كل عد أو إحصاء، تبرز هذا المنحى وما أتاح ويتيح من غمار يخوضها الباحثون الساعون بعناء ومشقة تمازجهما المتعة واللذاذة إلى التنقيب في خفايا الإبداع المغربي والكشف عن خباياه. وهم بذلك يتطلعون إلى إظهار بنيات ولبنات عساها إن اجتمعت أن تكمل أجزاء الصورة وتوضح ملامحها، وتبرز مكانها حيث ينبغي أن توضع، مضمومة إلى غيرها، مما يبلور في النهاية واقع الأدب العربي وحقيقته في عمومه وشموليته.

وقد حققت تلكم البحوث ما كان يتوخى لها من أهداف، أو البعض منها على الأقل. ولعلها – وهي مستمرة تتابع خطاها في غير توان ولا توأد – أن تحققها كاملة. فهي ترصد ذلكم الإبداع في جميع أنماطه وأشكاله، مدرسية وشعبية، وتجمع نصوصه وتصنع دواوينه وتعرف أعلامه وتحلل ظواهره وتناقش قضاياه وما يثير من مشكلات.

*** *** ***

وإن هذا السفر الجليل الذي يسعدني أن أقدمه للباحثين والطلاب وعموم القراء، بعد أن سعدت بالإشراف على إنجازه رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا ؛ ليمثل هذا التتبع الدقيق لجانب جزئي من جوانب غنية برز فيها أحد العلماء المعاصرين، كان في طليعة الرواد الذين ساهموا بفاعلية وبحكم مشاركتهم الواسعة ومقتضيات المرحلة، في ميادين متعددة كان من بينها الأدب في مفهومه الشمولي الواسع. وإنه لمفهوم يحتضن التعبير الشعري والنثر الفني وما أضيف إليهما من قص وتمثيل أو ألحق بهما مما له معهما اتصال وشيج وارتباط متين، ولكنه يتجاوزهما لاستيعاب علوم وفنون أغنت المجال الأدبي بما انبثق عنها من مضامين وأشكال جلَّتها أنماط كتابية متميزة.

وقد بذل الباحث الكريم الأستاذ الأخ مصطفى الجوهري جهداً محموداً في التقاط مكونات هذا الموضوع الدقيق، وكذا في تحليلها والاستنتاج منها، مما جعله يوفق في إنجاز رسالة حظيت بالثناء الفائق والتنويه اللائق، لما طبعها من تميز وإجادة. وما كان له أن يدرك هذا الشأو لولا صبره وأناته وتثبته ودأبه على الإتقان، في غير تسرع ولا ملل، ودونما تباطؤ أو كلل.

وأشهد أني كنت أشعر بطول نفسه وعمق نظره ودقة تحريه، كلما أثار معي بعض الاستفسارات والاستيضاحات، أو سألني وثيقة نادرة أو كتاباً مخطوطاً، بحكم علاقة الإشراف، وكذلك بحكم طبيعة الموضوع المرتبط بوالدي رحمه الله وما توافر لدي من تراثه الغزير.

وهي شنشنة أعرفها فيه منذ كان يختلف إلى فصول الدراسة بالكلية، متطلعاً إلى مزيد من معرفة الأدب المغربي، في حرص شديد، وفي اجتهاد منقطع النظير، وفي مواظبة ملزمة. وهي خصال ما زالت – لصدقها ورسوخها – تتجلى فيه مدرساً بمركز تكوين الأساتذة، يُعدهم بعلمه وخبرته وسلوكه لحمل أعباء مهمتهم الشاقة. وإنها لتسامته كذلك عضواً في "النادي الجراري" يلتمع اسمه ويأتلق بين قاصديه ورواده، وينسلك كتابه ضمن منشوراته وفي طليعة إصداراته. وإنه إن كان لذلك أهلاً فهو على متابعة المسير قدير وبكل تكريم حري وجدير.

وفقه الله وسدد خطاه، وأدام النجاح حليفه وهجيراه.

الرباط 3 شوال 1415هـ

4 مــارس 1995م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


أبو عبد الله محمد المرابط الدلائي:

عالم الزاوية الدلائية وأديبها

 

 

 

 

للدكتور حسن جلاب

 

 

 

 

 

المطبعة والوراقة الوطنية - مراكش

1417هـ - 1997 م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

إن كل من يتتبع سير البحث العلمي في المغرب، وسير الكتابة والتأليف فيه على العموم، لا يلبث أن يلحظ التطور الهائل الذي عرفه على امتداد العقـود الأربعة الأخيرة ؛ مما تجليه المنشورات التي تصدرها دور الطبع، في تنوع وتعدد لم يتقدم لهما مثيل، إذا ما قيس هذا الإنتاج بما سبق في العهود الماضية، سواء على صعيد الحجم والكم، أو على مستوى الجودة والكيف.

وقد كان للجامعة المغربية منذ تأسيسها في الرباط، ثم ما تفرع عنها من جامعات في شتى الجهات والأقاليم، أكبر الأثر في هذه النهضة التي تسنى لها أن تزهر وتثمر، بفضل الجهود التي بذلها وما زال يبذلها ثلة من أساتذة مختلف الكليات، ونخبة معهم من الباحثين، مأخوذين جميعاً – إلى جانب تكوين الأجيال – بلذة الدرس ومتعة التنقيب، يدفعهم إلى إدراك أوجهما هاجس تحقيق الذات وإثبات الهوية، أقصد ذات الفكر وعَبْرها هوية الأمة.

وإنه لمن حق الجامعة أن تفخر وتعتز بجهود هؤلاء الأبناء البررة الذين لم تثنهم صعوبات مرحلة التأسيس عن المضي في الطريق، على ما فيه من عراقيل وعثرات، يحثهم على متابعته في جلد وصبر بصيصُ أمل يراودهم في الأفق البعيد أن المسير مُفضٍ لا محالة إلى بلوغ ما يتطلعون إليه من غايات وأهداف.

من بين هؤلاء الجنود الرواد – إن لم أقل في طليعتهم – مؤلف هذا الكتاب، أخي وصديقي الأستاذ القيدوم الدكتور حسن جلاب الذي سعدت برفقته منذ أولى محطات هذا الطريق، مستبشراً بما كان له من بواكير في البحث العلمي والكتابة الأدبية، جاءت في أول ملامحها دالة على نبوغ متميز ظاهر، وقدرة دائبة على الإنجاز والمثابرة. وهما إذا كانا يعتبران لا شك نعماً ومواهب، فإنه نماهما بالعمل المتواصل والاجتهاد المتلاحق، وحلاَّهما بما يزين شخصه من خلق كريم يلمسه فيه كل من لقيه أو عاشره أو تعامل معه.

آية ذلك هذا السفر الجليل الذي يغمرني شعور بالغبطة والابتهاج، إذ أكتب له كلمة تقديمية، بعد أن كنت قبل نحو من عشرين عاما قد سررت بالإشراف على تهييئه رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط، عُدت من أهم الرسائل الجامعية التي أمدت التراث المغربي والبحث فيه بإضافات جليلة بلورت حقيقته وأغنت روافده.

وقد أراد المؤلف من دراسته أن تكون تعريفاً عاماً لأحد أعلام المغرب البارزين في رحاب الزاوية الدلائية، إن لم يكن أبرز علمائها على الإطلاق، وفق رأي الدارس، هو "أبو عبد الله محمد المرابط الدلائي" الذي كان لاسمه من الشفوف والاعتبار، ولفكره من الذيوع والانتشار، ما تجاوز حدود هذه الزاوية، بل حدود المغرب، بما كان لهما من صيت تردد صداه في بلدان الشرق، لا سيما وقد تسنى له بعد تخريب الزاوية أن يرحل إلى البقاع المقدسة ؛ وإن عاد بعد ذلك إلى وطنه ليتابع مهمته في فاس، تدريساً وخطابة، وكان فيهما بارعاً مبرزاً.

ونظراً للموسوعية التي يتسم بها علم المرابط وإنتاجه فيه، فإن الباحث بعد أن تحدث عن حياته من حيث الأسرة والنشأة والثقافة والشخصية، فصل القول في آثاره التي جمعت الشعر إلى غيره من أنماط الكتابة، والتي عكست آفاق اهتماماته، أدباً وفقهاً وأصولاً وتصوفاً ونحواً. ويكفيه تفوقاً في هذا المجال الأخير أن لقب بـ "سيبويه المغرب" و "سيبويه الزمان"، وأن كتابه "التحصيل" الذي شرح فيه "تسهيل" ابن مالك نال في أقطار المغرب والمشرق من الإقبال عليه والثناء ما عزَّ له النظير من بين مؤلفات المغاربة.

لقد تتبع الكاتب هذه الآثار ونقب عنها ونفض الغبار، وعرضها مثلما عرض جوانب كانت غامضة أو مجهولة في حياة المرابط، وتمكن بذلك من أن يقدم تعريفاً لعلم شامخ عبر هذا الكتاب الذي لا شك سيفيد منه الدارسون والباحثون وطلاب العلم وعموم القراء.

وإنه لكتاب نفيس يسوقه المؤلف ضمن ما سبق له أن نشر من بحوث قيمة رصينة، خدم بها تراث المغرب في شتى جوانبه وأبعاده ؛ ومن بينها – وعلى رأسها – أطروحته المستفيضة عن "الحركة الصوفية بمراكش" من خلال "ظاهرة سبعة رجال"، وكان أصدرها في ثلاثة أجزاء. وهي كلها بحوث متفردة تنم عن الضبط والتدقيق، وطول النفَس، وأناة الدرس والتحليل، وقبل ذلك عن حسن الاختيار، مما لا يتيسر إلا للعلماء الملهمين والباحثين المبدعين.

فهنيئا للأخ الكريم والصديق الحميم طبع هذه الرسالة الجيدة الجادة، تضاف إلى إنتاجه المتواصل النافع، ودعاء إلى العلي القدير أن يديم له العون والسداد واعتلاء مدارج السؤدد والارتقاء.

وحرر بالرباط في فاتح رجب 1417هـ

الموافـق 13 نـونبـر 1996م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رياض العشاق

ديوان زجل

 

 

 

 

للأستاذ حُسني الوزاني

 

 

 

 

نشر جمعية تطاون أسمير

سلسلة إبداع

مطبعة فضالة - المحمدية

ن

1996

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

في كتابة لي سابقة عن الإبداع والتجديد في القصيدة الزجلية عبْر فن الملحون، كنت انتهيت إلى أن الزجل الحديث والمعاصر يفتقد كثيرا من مقومات الشعر، إلا ما كان صادرا عمن استوت لهم هذه المقومات أو جلها؛ وذكرت من بين هؤلاء حُسني الوزاني)1(، وكان يومئذ قد أهداني ديوانا له مرقونا ضم مجموعة من أزجاله، وجعل لها عنوانا موحيا بمضامينه، هو "الحبُّ صولة وجولة")2(.

إن مقومات الشعر – أي شعر – تبدأ لا شك من اللغة التي قد يختار لها المبدع قالبا فصيحا أو عاميا هو الذي يعطيها طابعها المدرسي أو الشعبي ؛ ولكنها لا تقف عند الحد اللغوي باعتباره أداة التعبير أو إحدى أدواته، إذ تتجاوزه إلى الإيقاع بشتى مكوناته، وإلى الآفاق التصويرية بجميع ما تتيحه للشاعر مخيلته وما يختزن ذهنه من قوى وطاقات لاختراق هذه الآفاق ؛ في نطاق محتوى فكري غني ومحمول شعوري فياض.

وحتى على مستوى اللغة، فإن امتياحها من العامية لا يعطيها وحده ملمح الشعرية الزجلية، ما لم يكن هذا الامتياح نابعا من إمكانات تجعل الشاعر قادرا على توظيف الألفاظ والتراكيب المتداولة على ألسنة العامة، في سياق يبلور خفاياها ويكشف شحناتها ويفجر ما في خباياها من طاقات، وربما قادها – إن توافرت له براعة التعبير– في مسالك غير معهودة ولا متداولة.

وإذا كان الديوان الأول للشاعر الوزاني قد جعلني أحله مكانا متميزا إلى جانب ثلة من الزجالين المجيدين، فإن ديوانه الجديد "رياض العشاق" جاء ليؤكد حضوره ويقوي موقعه بين هؤلاء المبدعين.

وهذا هو الديوان الذي يسعدني في بهج وحبور كبيرين أن أزفه إلى قراء الشعر المغربي عامة وهواة الزجل خاصة. ولولا أن الشعر لا يحتاج إلى من يقدمه، إذ ينفذ إلى النفوس ويتسرب إلى أعماقها بتلقائية وانسياب، لأفضت القول عن قصائد هذا الديوان الموقعة على أشكال لحنية متنوعة، والمفعمة بأريج ذات ملتهبة جياشة لم يحل تأجج مشاعرها وتدفق أحاسيسها دون الوقوف لحظات متأنية للتأمل.

فليهنأ أخي وصديقي الأستاذ الشاعر حُسني الوزاني أن تسنى له هذا الإصدار، وليتابع إنتاجه الشعري في توفق وتفوُّق دائمين، والله المستعان.

وحرر بالرباط في 3 رجب 1417هـ

الموافق 15 نونبر 1996م



(1) وهنا كذلك أرى ضرورة التنويه ببعض الزجالين الذي استوت عندهم الكلمة الشعرية العامية، أولئك الذين يحاولون تطويع هذه الكلمة للغناء أمثال حسن المفتي وأحمد الطيب العلج وعلي الحداني ؛ أو أولئك الذين لم يوظفوا أزجالهم لهذا الفن، أمثال أحمد لمسيح ومالك بنونة وعبد اللطيف بن يحيى وحُسني الوزاني. د/ عباس الجراري: كتاب "في الإبداع الشعبي" صفحة 102، الصادر عن مطبعة المعارف الجديدة سنة 1988.

(2)  الصادر سنة 1982 (بطنجة) مرقونا ومطبوعا على اسطانسيل.

 

 

 

 

محمد المختار السوسي

 

 

 

 

إعــداد

د. مصطفى الشليح

ذ. أحمد السليماني – د. بوشتى السكيوِي

 

 

 

 

الناشر: مؤسسة أونـا

سلسلة: أعلام المغرب

1996

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

لسِيَر الأعلام في الثقافة العربية الإسلامية – وكل ثقافة – حيز لا يضاهيه أي حيز آخر، لما لهؤلاء الأعلام من دور في إبداع الفكر وتوسيع آفاق المعرفة في شتى مجالاتها العلمية والأدبية والفنية وغيرها ؛ ولما لسِيرهم في نفوس الأجيال المتعاقبة من مكانة تتجلى في التعلق بها، والتشوف لمخبآتها، والتطلع من خلالها إلى تجاوز حواجز الزمان والمكان، واستحضار التاريخ لمعايشته عبر لقطات حية تكشف عن تجارب الماضين، وتوحي بدروس وعظات من حياتهم، وتحث على الاقتداء بهم، وتنبه إلى ما على الأخلاف أن ينهضوا به مما لم يتسن للأسلاف ؛ فينتج عن ذلك مظهر لعله أبرز مظاهر تداخل الحضارات وتواصل الثقافات، دونما انقطاع في المسيرة الإنسانية، وفي غير صراع كذلك.

ولا بدْع في هذا السياق أن يكون للسِّير حضور متميز في تاريخ المغرب وفكره وأدبه على امتداد حلقاته وأطواره، وإن لم يُعن المغاربة كثيراً بالتدوين على النحو الذي يحفظ لتلك الحلقات والأطوار استمرارية متماسكة تجعلهم جيلاً إثر جيل يتابعون ويلاحقون ويكملون.

من هنا، وعلى كثرة كتب الفهارس والتراجم بالنسبة لغيرها، كان الشعور – منذ القديم – بالحاجة إلى مزيد العناية بهذا الحقل التأليفي الهام الذي لا شك يرتبط بمدى الاهتمام بالرواية على العموم، في مقابل الدراية التي كانت أحد أسس التعليم والتثقيف في المغرب.

وعندي أن هذه هي إحدى الصعوبات التي تعترض اليوم كل من يرغب في تسجيل حياة الأعلام، حتى حين يكون هؤلاء من المتأخرين وربما من المعاصرين. وتزيد في هذا التوعُّر مشاق أخرى نابعة من طبيعة الكتابة في هذا الفن، وما تقتضي من ملكات وقدرات تبدأ من إمكان البحث والتنقيب لاستجماع المادة واستقصائها، إلى التحري في استخلاص الحقائق بموضوعية تبتعد عن هوى الذات وتيارات العصر الجاذبة، وبإنصاف ينأى عن كل انحياز. يضاف إلى ذلك ما تتطلبه هذه الكتابة من مناهج وأساليب من شأنها أن تشد القارئ وتغريه بالتتبع وتفضي به إلى التجاوب والمصاحبة.

من هذا المنظور لأهمية سِير الأعلام وما تعانيه الثقافة المغربية في مضمارها المُلح، كان ابتهاجي بهذا الكتاب القيم الذي التقت على صحائفه أقلام ثلاثة من علمائنا الباحثين وأدبائنا الكاتبين، هم الأصدقاء الزملاء، الأساتذة أحمد السليماني ومصطفى الشليح وبوشتى السكيوي ؛ شغفوا جميعاً بالتراث المغربي قديمه وحديثه، كلٌّ في دائرة اهتمامه الدراسي وتخصصه الجامعي، وأدركوا بحسهم الوطني وممارستهم العلمية ما يعانيه هذا التراث من نقص في التعريف بأعلامه، فانبروا لخوض غماره بالاشتراك في تحرير سيرة أحد أبناء المغرب البررة، قضى حياته مجاهداً في سُوح الوطنية والعلم والأدب، تعليماً وتأليفاً وإبداعاً ؛ وهو محمد المختار السوسي الذي تشدني إليه وشائج عميقة منذ طفولتي الأولى، بسبب الروابط المتينة التي كانت تجمعه بوالدي يرحمه الله وإياه ؛ مما مهد لي سبيل التعارف فيما بعد، وقد قَوِي الالتقاء على صعيد الأدب والفكر.

ولا أخفي أني أُخذت بالفصول الثلاثة التي يضمها هذا السفر النفيس، والتي جاءت متسمة كلها بدقة البحث وروعة العرض وجودة التحليل، والقدرة على الغوص في مادة غنية متراكمة، وتخيُّر عناصر مركزة منها لتقديم ملامح مميزة لشخصية العلامة المختار، في سبْك منسجم مَسوق بتوافق وتكامل، على ما يطبع كل فصل من خصائص تعكس ما يتفرد به كل واحد من الإخوة الثلاثة المؤلفين.

وإني إذ أنوه بهذا العمل الجليل، وبما بذل فيه منجزوه من جهد يستحقون عليه عظيم التقدير وكبير الثناء، أشكر للمؤسسة التي بادرت إليه عزمها على التحفز منه لتنفيذ مشروع آمل أن يكون مثالاً يحتذى في مجال تقديم سِير أعلام المغرب، للحاجة الملحة إليها في سد ثلمة كبيرة تعانيها ثقافته، وملء فراغ هائل يشكوه تاريخ هذه الثقافة قديمه والحديث.