بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الإنسان بين العجز عن تبديل خلق الله والمحاولة العابثة لاستنسال نفسه

(ملخص)

        

         يبدأ هذا العرض بمقدمة عن خلق الله للإنسان في أحسن تقويم، إذ أبدعه على غير مثال سابق من مادة وروح ؛ وجعل له من نفسه زوجا نشأت عن السكون إليها ذرية، ثم كرمه وسخر له جميع الكائنات واستخلفه في الأرض واستعمره فيها، وهداه ليواجه بتوازن مختلف المعادلات الناشئة عن طبيعة تكوينه.

        

         وينطلق العرض بعد هذا من كون الخالق لم يفعل ذلك عبثا ولعبا أو عن طريق المصادفة أو التطور التلقائي للطبيعة، ولكنه تصرف وفق إرادته وعلمه وقدرته، باعتبار الخلق أمرا أزليا وإحدى الحقائق الثابتة. وبذلك تحدى الله الكفار والمشركين أن ياتوا أو أن تاتي معبوداتهم بخلق مثله أو غيره، مؤكدا أنه "لا تبديل لخلق الله" ؛ وإن كان هو - عز وجل -  قادرا على القيام بالتبديل لو شاء، علما بأن هذا لا يتنافى مع إمكان إحداث تغيير في جسد الإنسان، على نحو ما يتم بالوشم أو ما إليه، مما نهى الإسلام عنه.

         في ضوء هذه المعطيات، يتناول العرض مسألة "الاستنسال" فيشرحها ويستعرض أهم مراحلها وما تم منها في السابق على النباتات والضفادع وبعض أنواع الخنازير، إلى أن وقع تنسيل نعجة "دولي" ؛ مما يدل على إمكان استنسال ثدييات والتفكير في استنسال البشر.

         ويشرح العرض - في ضوء الرؤية الإسلامية للإنسان والحياة - مختلف الأخطار التي تهدد البشرية لو تحقق ذلك، والتي يمكن تجميعها في الآتي:

1- تشكيل مخلوق غير إنسان، لا تتوافر فيه الشروط الإنسانية.

2- إيجاد نوع متخير الدم واللون لتنفيذ أغراض معينة.

3- إفساد الروابط الإنسانية التي تلحم بين البشر، وتمزيق العلاقات الطبيعية التي تجمع بينهم وما يتصل بها من قيم تساير الفطرة وتتفق مع سنة الله في الكون. وهو فساد يتجلى في عدة جوانب كظهور التشابه بدلا من الاختلاف، واعتماد التوالد الصناعي، واختلال صلات النسب، والتصادم مع طبيعة الوجود، والتعارض مع حرية الإنسان وكرامته، وضياع المسؤوليات والتبعات، وفقدان الإنسان لحرمته.

4- تشويه صورة الإنسان المستنسل نتيجة تأثر الجينات بالمواد الإشعاعية والكيميائية وغيرها.

         وعلى الرغم من هذه الأخطار، فإن البحث العلمي مستمر بهدف إنتاج أجنة آدمية. إلا أنه إذا كان الاستنسال البشري مرفرضا دينيا وخلقيا وقانونيا، فإن هذا البحث يمكن أن يوجه لما فيه صالح الإنسان وخدمة البشرية، خصوصا في مجال المحافظة على الصحة لمواجهة بعض الأمراض المستعصية وإيجاد مناعة ضدها ولصنع أعضاء بشرية تزرع في الأجسام المحتاجة وفق المراعاة اللازمة ؛ وكذا  مجال التغذية للزيادة في إنتاج بعض المواد أو تحسينها.

         وحتى تتجنب الأخطار المحدقة بهذا البحث، يقدم العرض مقترحات لرقابته، ويختم بالتنبيه إلى أن أي سير منحرف عن الطبيعة التي أرادها الله لحياة الإنسان والكون، يعتبر انغلاقا وأنانية مآلهما إلى الطغيان الذي يجرد صاحبه من إنسانيته ومن سر وجوده والغاية من خلقه، ويحول دون أداء رسالته في طريق الحق والخير والجمال والسمو الروحي، إذ يحوله إلى مجرد آلة أو جهاز فاقد لبشريته بكل مكوناتها وجميع احتياجاتها، ويقوده في النهاية إلى الخراب والدمار.

         على نسق محكم دقيق ومتكامل و"في أحسن تقويم"(1)، أبدع الله آدم، إذ أوجده على غير مثال سابق ؛ مع انتفاء وجود أوادم غير سوية قبل خلقه. وهو انتفاء لا يتعارض مع التطور الحضاري والثقافي الذي عرفه الإنسان عبر مختلف مراحل التاريخ - وما زال - دون أية قطيعة سلالية بين الكائن القديم والحديث ؛ مهما تكن ملاحظة بعض الظواهر البيولوجية والأنتروبولوجية التي يبرزها اكتشاف عظام أو أدوات وما إليها من آثار الحياة البشرية.

         لقد خلق الله آدم من مادة وضيعة هي التراب، ثم ارتفع به إلى أعلى الرتب والدرجات، حين بث فيه من روحه. وقد تم هذا الخلق بيد الله الدالة على قدرته تعالى وعنايته المباشرة وما تنمان عنه من تشريف وتكريم ؛ مع  تنزيه ذاته عز وجل عن مشابهة خلقه في الصفات. فنال آدم بذلك أفضلية على غيره من الكائنات، واستحق أن تسجد له الملائكة احتراما وإجلالا، وهي مخلوقات نورانية. ولم يمتنع عن السجود إلا إبليس الذي استكبر فعد من الكافرين ؛ إذ اعتبر نفسه متفوقا عليه بالأصل الناري لخلقته: "إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين. قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدَيّ أَستكبرت أم كنت من العالين. قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"(2).

         ومن نفس آدم خلق الله حواء، حتى تكون من جنسه ونوعه، ليألفها ويطمئن إليها ويأنس بها ويشتهيها كذلك، وليفضي التقاءهما على هذا النحو إلى تكوين ذرية: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء"(3).

         وإذا كانت هذه الذرية تجتاز مراحل معروفة في بطن الأم قبل أن تخرج إلى الوجود، فإنها تمر بعد الخروج إليه بمحطات معروفة كذلك، هي الحياة والموت وما بعده من بعث يكون بالجسد والروح.

 

         وقد تكونت في ضوء هذه الحقيقة رؤية إسلامية توضح أن الحياة الدنيا فانية، وأنها مجرد دار عبور للآخرة ؛ وأن على الإنسان أن يأخذ من هذه الدار حظه، بفعل الصالحات التي بها يستعد لعالم البقاء. وفي مقدمة هذه الصالحات نهوضه بالمسؤولية التي كرمه الله بها حين حمله الأمانة واستخلفه في الأرض واستعمره فيها: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها"(4).

 

         وحتى ينهض بهذه الرسالة، سخر له الكون وما فيه، ورزقه إمكانات ذهنية وعقلية، ومنحه حقوقا تبدأ بذاته وما لهذه الذات من حرمة لا تنهك وكرامة لا تهدر، فضلا عن تشويهها أو القضاء عليها. ولم يطلب منه إلا أن يعبده وأن يشكر له النعم التي سخر له، والتي دعاه إلى التوسط في استهلاكها والاستمتاع بها،  حتى يستطيع مواجهة ثنائية الدنيا والدين، وكذا مواجهة معادلة الشر والخير في نفسه ؛ وهما نابعتان من كون الإنسان مخلوقا من مادة وروح ؛ دون نسيان التوازن الذي عليه أن يراعيه، سواء مع غيره من الناس الذين ينبغي أن يقبل اختلافهم معه ، فيعايشهم ويساكنهم ويتبادل معهم المصالح والمنافع ؛  أو مع الكون الذي عليه أن يتدبره ويستثمره، وأن يصونه ويحسن استعماله ويحافظ عليه، في غير اغترار لن يقود إلى غير التجبر والطغيان، ثم إلى الانهيار والهلاك.

 

         وقد فعل الله ذلك وغيره - أي أوجد الإنسان والكائنات - بعلم منه تعالى وإرادة وقدرة وقصد، وفي غير لعب عابث: "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين"(5). وإن نفي هذا اللعب عن خلق الله ينصب

 

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة التين -الآية 4

(2) سورة ص -الآيات من 71 إلى 75

(3) أول سورة النساء.

(4) سورة هود -الآية 60

        

كذلك على إيجاده عن طريق المصادفة، أو أنه مجرد تطور تلقائي للطبيعة في بعض مظاهرها العفوية. إنه أمر أزلي مرتبط بإرادة الله وعلمه، باعتباره حقيقة ضمن منظومة الحقائق الثابتة ؛ وإنما أخرجها للوجود وفق مشيئته وعلى النحو الذي يبرز ماديا هذه الحقيقة ويبلور ما لها من ماهية. وهذا هو الرأي الذي يتفق والوضع الذي خصه الله للإنسان في الإسلام ؛ وقبل ذلك يتفق مع ما يتصف به عز وجل من صفتي العلم والإرادة وما يتصل بهما من صفات أخرى في مقدمتها القدرة، على أن علم الله وقدرته سابقان على إرادته، وبالتالي على خلقه للكون.

 

         ومن ثم تحدى الله الكفار والمشركين، في استفسار دال على التهكم والتعجيز، أن يأتوا أو أن تأتي معبوداتهم بخلق مثله أو غيره: "هذا خلق الله، فأروني ماذا خلق الذين من دونه"(6). وهو - تعالى - في سياق هذا التحدي، وسياق الفطرة التي خلق عليها الناس، يؤكد أنه: "لا تبديل لخلق الله"(7).

 

         إلا أن هذا التأكيد لا ينفي قدرته هو - عز وجل - على القيام بالتبديل لو شاء: "إن يشأ يذهبكم ويات بخلق جديد"(8). وهو خطاب موجه للمشركين. ومثله: "نحن خلقناهم وشددنا أسرهم، وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا"(9)، أي بخلق شبيه لهم. وقد لا يكون مثلهم من حيث قابليته للهداية والإيمان: "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم"(10)، بمعنى ان ارتددتم عن الدين: "إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين"(11)، أي قوما آخرين يومنون. على أن الحديث عن هذا التبديل يوجه في مجال آخر لموضوع البعث، والدلالة على أن الله قادر على تبديل الأمثال، بخلق أجسام في الآخرة شبيهة بالأجساد التي خلق عليها الناس في الدنيا أو مغايرة لها على نحو لا يعلمونه: "نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون"(12).

                           

         كما أن تأكيد نفي الخلق عن غير الله أو تغيير ما خلقه، لا يتنافى مع الأمر بالتغيير الوارد لدا الحديث عن الشيطان: "وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا، ولأضِلنَّهم ولأمَنّيَنَّهم فليُبَتِّكُنَّ آذان الأنعام ولآمرنَّهم فليُغيِّرنَّ خلق الله"(13). فقد كان المشركون يقومون بتبتيك آذان بعض الحيوانات بقطعها أو شقها، لوسْمها حتى تعرف أنها هبة للأصنام. وكانوا كذلك يقومون ببعض أعمال التغيير في خلقة هذه الحيوانات بتشويهها،  خاصة حين لم تعد صالحة للركوب والحمل. ومن ذلك أنهم كانوا يفقأون عينها ويسيبونها للطواغيث والأصنام.

         وهنا لا يغفل عن بعض ما كان نساؤهن يفعلنه أو يطلبنه للتزيين، كالوشم - وهو معروف - والتنميص الذي هو نتف الشعر، والتفليج المقتضي تفريق الأسنان للتجميل،  والاستيصال بوصل الشعر بآخر مستعار. وقد اعتبر ذلك كله من باب تغيير خلق الله: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات  والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله"(14)، "لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة"(15).

 

 

ـــــــــــــــــــــــ

(5) سورة الأنبياء -الآية 16

(6) سورة لقمان -الآية 10

(7) سورة الروم -الآية 29

(8) سورة إبراهيم -الآية 22 وسورة فاطر -الآية 16

(9) سورة الإنسان -الآية 28  

(10) سورة محمد -الآية 39

(11) سورة المعارج -الآيتان 40 و41

(12) سورة الواقعة -الآيتان 63 و64

(13) سورة النساء -الآيتان 117 و118

(14) رواه البخاري ومسلم وابن حنبل وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن مسعود.

(15) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.

                           

         في ضوء هذه المعطيات الثابتة التي تكمل منظور الإسلام لماهية الإنسان وحقيقة تكوينه وفلسفة وجوده ؛ ينبغي تأمل قضية "الاستنسال"(16) أو "التنسيل" المثارة الآن بالنسبة للبشر، وهي المعروفة بـ "الاستنساخ".

         وتقتضي أخذ خلية جسدية تامة المواصفات الوراثية، تؤخذ من كائن حي، وتعزل نواتها التي تتضمن هذه المواصفات، لتزرع في بويضة امرأة جردت من نواتها، أي من عناصرها الوراثية. وبعد أن تتعرض الخلية لعمليات مختبرية، تؤخذ البويضة الجنينية الجديدة وتوضع في رحم امرأة ؛ فتكون النتيجة أن يتطابق هذا الجنين وما يؤول إليه  مع الشخص صاحب الخلية الأولى.

         وكانت مثل هذه العملية قد تمت في السابق على النباتات والضفادع، وكذا على بعض أنواع الخنازير، ثم تمت بعد استنسال نعجة "دولي" في إيرلندة، انطلاقا من خلية شاة بالغة، إذ جاءت تشابهها تشابها تاما من حيث الصفات الوراثية ؛ مما يعني اعتماد خلايا حيوان بالغ لخلق نسل، ويعني كذلك أن البحث العلمي وصل إلى إمكان استنسال ثدييات. ولو أن الأمر تم على غير حيوان ثديي - كما حدث من قبل - لما كان فيه ما يثير. والسبب في إثارته أنه يؤدي إلى التفكير في استنسال البشر. وراج في روسيا عقب ذلك حديث عن إمكان استخراج نسخة مطابقة للينين الزعيم المتوفى في يناير سنة أربع وعشرين وتسعمائة وألف، على أساس أن خلاياه وموروثاته محفوظة في الكرملين بموسكو، وأن حفظها تسنى بمواد تحنيطية معينة.

 

         إن الجواب عن أي سؤال حول مدى إمكان استنسال الإنسان وقبول هذا الاستنسال وما يكون له من أثر، ينطلق من الرؤية الإسلامية التي ما إخالها إلا متفقة مع رؤى الديانات السماوية الأخرى، وكذا مع ما تراه المذاهب الإنسانية كيفما كان توجهها، لا سيما المعتمدة على قيم الأخلاق.

 

         وتنطلق هذه الرؤية من اعتبار الإنسان كائنا متكاملا تشكله عناصر معنوية وروحية وفكرية وسلوكية وشعورية، وليس مجرد مخلوق فسيولوجي، أو ذات مادية، أو آلة يمكن صنعها وتسييرها لإنجاز أعمال معينة. كما أنه ليس بضاعة تنتج وفق مواصفات محددة ولتلبية ما يقدم بشأنها من طلبات.

         ولو تحقق هذا الاستنسال لنتجت عنه أخطار من شأنها أن تهدد البشرية في وجودها وإنسيتها وما يكون لها من مآل. وإنه لتكفي الإشارة إلى بعض هذه العواقب الوخيمة التي لا يمكن أن توصف إلا بأنها مرفوضة دينيا واجتماعيا وخلقيا وقانونيا:

أولا: تشكيل مخلوق غير إنسان، أي لا تتوافر فيه شروط الإنسانية، إذ:

         1) لن يحمل به في رحم بالطرق الطبيعية الناتجة عن المباشرة الجنسية بين الزوجين.

         2) لن تتوافر له الجوانب النفسية اللازمة لاكتماله وتكامل شخصيته.

         3) لن تكون له القدرة الدماغية الضرورية للإدراك والتذكر والتفكير.

         4) قد تحمل الأم بجنينين مختلفين، كل منهما ينتمي لأب وأم متباينين.

         5) وينتج عن هذا كله أنه سيكون بدون نسب ولا كيان أو هوية.

 

 

ـــــــــــــــــــــــ

(16) وهو المصطلح الذي أقرته لجنة اللغة العربية بأكاديمية المملكة المغربية في اجتماعها يوم الخميس 4 ذي القعدة 1417هـ الموافق 13 مارس 1997م، ترجمة لـ:CLONAGE، بدلا من مصطلح "الاستنساخ" الشائع عبر وسائل الإعلام. وقريب منه "التنسيل". وقد اعتمدت في ذلك على الأصل العربي المرتبط بمعنى الخلق، وهو "النسل"  و "النسيلة"  التي بها ترجم مصطلح  CLONE. وقد سبق للكاتب أن سجل للتلفزة المغربية يوم الأربعاء 14 محرم 1418 الموافق 21 مايو 1997 حلقة عن "الاستنسال" ضمن برنامج توثيقي في الموضوع.

 

ثانيا: إيجاد نوع متخير الدم واللون لتنفيذ أغراض عسكرية أو غيرها، على نحو ما كانت النازية تتطلع إليه بعنصرية. ولقد كانت حضارات قديمة تسعى إلى تكوين رجال أقوياء متوحشين، ينتخبون حسب مقاييس مضبوطة، حتى يكونوا قادرين على الغزو والاعتداء بامتثال مطلق ودون أي رادع.

                            

ثالثا: إفساد الروابط الإنسانية التي تلحم بين البشر، وتمزيق العلاقات الطبيعية التي تجمع بينهم، وما يتصل بها من قيم تساير الفطرة ولا تتناقض مع سنة الله في الكون، لا سيما في المجالات الآتية:

 

         1- ظهور التشابه بدلا من الاختلاف الذي هو أساس قيام الوجود الإنساني وما ينبني عليه من صلات التعايش والتساكن والتعارف والتحاور.

         2- اعتماد التوالد الصناعي في غيبة العلاقة الحميمية التي أرادها الله أن تكون بين الزوجين(17)، وكذا في غيبة الأسرة وما يتكون في أحضان الأمومة والأبوة من عواطف وأحاسيس ومشاعر المودة والرحمة، إضافة إلى الجوانب التربوية، مما سيفضي في النهاية إلى الاستغناء عن الزوجين الذكر والأنثى، وبالتالي إلغاء الأسرة والقضاء على دورها ومحو أثرها في تكوين الأجيال.        

         3- اختلال صلات النسب والمصاهرة، داخل الأسرة ومع غيرها من الأسر التي ترتبط بها، مما سينعكس سلبا على بعض المصالح المتبادلة شرعا كالزواج والإرث.

         4- التصادم مع طبيعة الوجود القائم على الحياة والموت ثم البعث لا سيما في حال استنسال شخصيات متوفاة.

         5- التعارض مع حرية الإنسان وكرامته، وماله من علاقات مع الكون والآخرين، في نطاق معادلات متوازنة.

         6- اضطراب العلاقات بين المستنسل والمستنسل منه، وما ينتج عن ذلك كضياع المسؤوليات والتبعات في حال ارتكاب جريمة على سبيل المثال.

         7- فقدان الإنسان لحرمته النابعة من كون ذاته ليست ملكا له يتصرف فيها كما يشاء، ولكنها مجرد وديعة لديه.

 

رابعا: تشويه صورة الإنسان المستنسل نتيجة تأثر الجينات بالمواد الإشعاعية والكيميائية وغيرها، وكذا نتيجة ما ستؤول إليه عملية الاستنسال، إذ هي تقوم على خلية تتعرض للانقسام، وبالتالي لعدد من التغيرات التي يعترف الباحثون في هذا المجال أنه لا أحد يعرف ما ستفضي إليه في نهاية الأمر ؛ إضافة إلى أن النسخ المستنسلة ستكون أكبر من الأصل، مما يهددها بالموت، لعدم انسجامها مع الطبيعة، لا سيما من حيث الحجم والوزن اللذان يتضخمان في الرحم حتى قبل أن تولد.

         وعلى الرغم من هذه الأخطار المهددة، فإن البحث العلمي مستمر، وسيظل مستمرا بهدف إنتاج أجنة آدمية مستنسلة وهندسة الجينات. وهو يتابع طريقه باعتباره "عبثا جينيا" أو "تلاعبا بالجينات والعناصر الوراثية" - كما يقال - ، بغض النظر عن مدى نفعه أو ضرره: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع"(18).

 

 

 

 

 ـــــــــــــــــــــــ

(17) لقد شاءت إرادة الله أن تقوم الحياة على الزوجية حتى بالنسبة لغير الإنسان: "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون" (سورة الذاريات -الآية 49)، "جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا" (سورة الشورى -الآية 9) "ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين" (سورة الرعد -الآية 3).

(18) رواه ابن ماجة عن أنس بن مالك ضمن دعاء.

           

         وإذا كان الاستنسال البشري مرفوضا دينيا وخلقيا، للأضرار الفادحة التي ستحدق بالإنسان من جرائه، فإن الاستنسال - من حيث هو - يمكن أن يوجه لما فيه صالح الإنسان وخدمة البشرية، خصوصا في مجالي الصحة والتغذية:

 

أولا: بالنسبة للتغذية يمكن استغلال مثل هذا الاكتشاف للزيادة في صنع بعض المواد كالحليب، ولتحسين نوع الإنتاج الحيواني والنباتي وتضخيم كمه، مما يكون عاملا مساعدا على توفير الغذاء، وسد ما تعاني البشرية من خصاص فيه، ما لم يتبين ضرر من ذلك، على حد ما ظهر في مرض جنون البقر بانجلترا.

 

ثانيا: بالنسبة للصحة ينبغي توجيهه لإيجاد مناعة ضد عدد من الأدواء المستعصية، والبحث عن أمصال للقضاء على الأوبئة، ولمعالجة الأمراض التي يسببها ضعف مقاومة الخلايا ؛ وربما النظر في إمكان مواجهة بعض الظواهر المرضية للشيخوخة.

        

         وقد ذكر في السياق الإعلامي لعملية الاستنسال أنه تم بالفعل التوصل في بريطانيا إلى تصنيع مصل الدم المعروف بالبلازما PLASMA، بدءا من استنسال أبقار ونعاج مهندسة على صبغة وراثية بشرية، وهو اكتشاف جليل لا شك، للحاجة الماسة إلى هذه المادة في الجراحة وما إليها، مما يتطلب نقل الدم، إضافة إلى خلوها مما قد ينتقل من جراثيم عبر الدم البشري الذي يلاحظ عدم توافره بما يكفي الطلبات المتزايدة عليه، نظرا لقلة عدد المتبرعين به أو حتى بائعيه.

         ولعله يكون مفيدا أن يستخدم الاستنسال في صنع الأعضاء البشرية لزرعها في أي جسم محتاج، مع مراعاة أن تكون هذه الأعضاء قد استنسلت مستقلة ومنفصلة، لأنها إن استنسلت مع أجسامها كاملة ثم أخذ منها عند الضرورة ما يحتاج إليه، وألقي بالأجزاء الأخرى، فإن ذلك يكون غير مقبول، لما فيه من مهانة وتحقير لتلك الأجسام.

 

         وتجدر الإشارة إلى أن عملية نقل الأعضاء، إما أن تكون من الحيوان إلى الإنسان فهي جائزة، وإما أن تكون من الإنسان لمثله وتقبل عند الضرورة، وإما أن تتم بالاستنسال على النحو المشار إليه.

         ومع ذلك، فإن الخطر على الإنسانية كبير، إذا تركت تجارب الهندسة الوراثية دون رقابة، مما يقتضي:

1- وقوف الدول والمنظمات ومختلف الهيآت ضد استنسال البشر ووضع تشريعات لذلك.

2- عقد مؤتمرات علمية وقانونية ودينية وخلقية لتوضيح مدى سلبية مثل هذا الاكتشاف والأضرار الناتجة عنه.

3- إنشاء معاهد خلقية - إلى جانب مراكز البحث العلمي - تعنى بمتابعة هذا البحث ومراقبته والنظر في مدى نفعه، والحد من طغيانه، حفاظا على الإنسانية وحماية للبشرية من الخطر الذي قد يحدث.

4- الابتعاد عن الفوائد التجارية التي قد تدرها مثل هذه الاكتشافات العلمية.

5- تجنب التهريج الإعلامي المصاحب لها، مع مزيد العناية ببرامج التوعية الدينية والخلقية في أجهزة الإعلام.

 

 

 

 

* * *

 

         وبعد، فإن متابعة هذا السير المنحرف عن الطبيعة التي أراد الله أن تكون عليها حياة الإنسان والكون، تعتبر انغلاقا وأنانية مآلهما إلى الطغيان الذي يدمر صاحبه، فردا كان أو جماعة ؛ إذ يجرده من معنى إنسانيته وسر وجوده والغاية من خلقه، ويمنعه من إمكانات أداء دوره الفردي والمجتمعي في طريق الحق والخير والجمال والسمو الخلقي ؛  وهي المقومات التي بها تتحقق السعادة في الدنيا والآخرة.

         إن العالم اليوم يجتاز مرحلة زالت منها الحواجز بين الحضارات والثقافات، وتقلصت المسافات بين الأقاليم والأقطار، وأصبح البشر يشعرون بالحاجة إلى تنظيم اجتماعي جديد يحقق لهم متطلبات إنسانيتهم،  في نطاق ما ينبغي أن يكون لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وفي إطار فردية تحس بالآخر، أي تحد عندما يبدأ هذا الإحساس ومعه تبدأ الجماعية.

         ولا شك أن أولى سمات هذه الفردية هي الحرية التي لا طعم للحياة بدونها، بل لا وجود لهذه الحياة إلا بها، لكن في غير إطلاق يعيدها إلى النقيض ؛ مما يقتضي ضبطها بنظام يقنن أبعادها وآفاقها وما لها من حدود، وما لها كذلك من معايير ومقاييس بدونها لا يكون لها أي مدلول.

                                     

         ولعل في طليعة هذه المعايير والمقاييس القدرة على الاختيار والتعبير عنه بالقول أو الفعل، مع السلوك الخلقي المناسب الذي يحفظ للاختيار بعده الإيجابي على المستوى الخاص والعام.

         إن التقدم العلمي الذي أدركه الإنسان اليوم في سياق حضارة آلية مادية، لم يستطع أن يفرج ما في نفسه من غمة وضيق، ولا أن يحقق له ما تهفو إليه من ثقة ويقين وسكينة واطمئنان، ومن شعور بعد ذلك بالسعادة والهناء، سواء باعتباره فردا يواجه فردية أنانية، أم باعتباره جماعة ساحقة للفرد.

 

         ولست أعني بالإنسان المعاصر مطلق إنسان، ولكن أعني الذي يصنع هذا التقدم ويستهلكه ويستفيد منه، وربما يستمتع به بطريقة عابثة، فاقدا مقوماته النفسية التي عليه أن يجد لاسترجاعها.

 

         إن استرجاعه لهذه المقومات هو الذي سيجعله لا يغتر ولا يطغى، ولا ينهزم أو يستسلم أمام التقدم العلمي، متنازلا عما أكرمه الله به وحمله من أمانة ومسؤولية، نحو نفسه والآخرين أمثاله، ونحو الكون.

         وهو إن لم يفعل، سيتحول إلى مجرد آلة أو جهاز فاقد لإنسانيته بكل مكوناتها وجميع احتياجاتها، وسيقود نفسه في النهاية إلى الخراب والدمار.

                                              

عباس الجراري

الإنسان بين العجز عن تبديل خلق الله والمحاولة العابثة لاستنسال نفسه

عرض مقدم لأكاديمية المملكة المغربية

في دورتها الخريفية المنعقدة بالرباط

أيام 23-24-25 رجب 1418هـ الموافقة 24-25-26 نونبر 1997م

في موضوع: "حقوق الإنسان والمناولات الجينية"